مجرد رقم – قصة قصيرة

اطمأنت فاتن إلى أن كل شيء على مايرام، الملابس استقرت في مكانها، الشقة حظيت بالترتيب اليومي، الطعام جاهز ينادي آكليه
آن لها أن تريح جسدها المنهك حتى عودة البنات من كلياتهن. ممددة على سريرها تقلب في الهاتف، تستوقفها تلك الرشيقة التى تمارس الرياضة وتطير بالدراجة بخفة بنت العشرين، تمط شفتيها عندما تعلم أنها جاوزت الثمانين بقليل، تقلب وتقلب، تعجبها الأغنية التي ركبت على “فيديو ” هذين العجوز ين اللذين يرقصان وتنبهر أكثر من قدرتهما الفائقة على أداء هذه الرقصة صعبة الحركات. أمام المرآة تنظر، جاءت الخمسون بتجاعيدها ومتاعبها، سخرت من الرقم :خمسين إيه يا ماما ده أنتِ كتكوتة، مش شايفه اللي بيلعبوا في التمانين والتسعين دول ولا اللي كان مع المذيع اسمه إيه ده ومعدي المية الله أكبر عليه. يا عبيطة أنتِ اللي عاملة في نفسك كده. يأخذها جرس الهاتف من شرودها، صديقتها العزيزة تؤكد عليها الحضور إلى فرح ابنتها :مش هقبل أي أعذار، أنا عارفه إنك مش بتاعة أفراح بس أنا مش أي حد.
أمام إصرارها وعدت بالحضور الليلة ومعها البنات. تعود للمرآة، تستدير لترى مظهرها تقول لنفسها :محتاجة عَمرة جامدة!
لاتدري كيف تنطق؛ طالما تشاجرت معهن لاهتمامهن الزائد بمظهرهن وبسبب ما تضعنه من مساحيق، تروح وتجيء وبتردد تقول :قوليلي يا سلمى البتاع اللي بيلبسوه ده علشان يداري…
يداري إيه وبتاع إيه؟! .ترد سلمى.
تبلع ريقها وتقول، يعني اللي بيداري بلاوي الجسم.
قصدك التخن يعني؟
يعني.
اسمه كورسيه يا ماما. أنا بقى عايزه من ده، وكمان عايزه جزمتك أم كعب عالي.
الهيلز؟!
أيوه البتاعة دي.
فاغرة فاها تظل ابنتها فترة ثم تستوعب المطلوب.
زودي من ده.تشير الأم وهي تنظر لنفسها أمام المرآة.
الكونسيلر”
كون إيه؟
ضاحكة :متشغليش بالك يا ماما، إيه رأيك في” الكونتور ده “
مين؟! أنا مبعرفش في الحاجات دي المهم عندي الخطوط اللي تحت العين دي تختفي.
خطوط إيه بس ده توهم منك.
تضحك فاتن.
أحمر لامع ولا…؟ تسأل سالي
آه ومالوا ما حلو .
تنظر فاتن إلى نفسها غير مصدقة، تبدو عيناها فاتنتان، استعادت شفتاها الرقيقتان بريقهما من جديد، الكورسيه، الهيلز يؤديان دورهما متناغمين مع الفستان. لمحت الغيرة في عين الصديقة من تعليق زوجها بأنها أصغر من بناتها، غاب العمر وهي تشارك الفتيات التحلق حول العروسين، نسيت الكورسيه الضيق والهيلز العالي وهي منتشية بعبارات الغزل التى ترمي إليها،وبشعور الشباب الذى تملكها، استجابت لهمس ابنتها لها وإلى جوار صديقتها جلست تلتقط أنفاسها.
بعد أن هدأت آلام الركب وخف تورم أصابع القدمين و زالت آثار الكورسيه الضيق قامت تستند إلى الباب وتبتسم :مجرد رقم! .
أخذت تهرش في رأسها وهي تفكر في الرقم الذي دفعته في الكورسيه وفي الرقم الذي سوف تدفعه لابنتها لشراء هيلز جديد بدلا من هذا الذي كسر كعبه ثم انطلقت إلى المطبخ من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى