رئيس التحرير يكتب ٠٠حرية الصحافة لا تنفصل عن حرية الوطن
رئيس التحرير يكتب ٠٠
حرية الصحافة لا تنفصل عن حرية الوطن
يوم الصحفي المصري.. ثلاثون عامًا على انتصار الكلمة الحرة
بقلم: أشرف الجبالي
في العاشر من يونيو من كل عام، يحتفي الصحفيون المصريون بيوم الصحفي المصري، ذلك اليوم الذي لا يمثل مجرد مناسبة مهنية تخص العاملين في بلاط صاحبة الجلالة، بل يعد محطة وطنية مهمة لاستحضار قيمة الحرية ودورها في بناء الدولة الحديثة وترسيخ دعائم الديمقراطية والشفافية.
ويكتسب هذا اليوم أهمية خاصة هذا العام، إذ تتزامن ذكراه مع مرور ثلاثين عامًا على واحدة من أبرز المحطات النضالية في تاريخ الصحافة المصرية، حين انتصرت إرادة الجماعة الصحفية في معركة الدفاع عن حرية الرأي والتعبير، وتم إسقاط القانون رقم (93) لسنة 1995، الذي أطلق عليه الصحفيون آنذاك “قانون اغتيال حرية الصحافة وحماية الفساد”، ليصدر بعد ذلك قانون تنظيم الصحافة رقم (96) لسنة 1996، في انتصار تاريخي أكد أن الكلمة الحرة قادرة على حماية المجتمع وصون حقوق المواطنين.
إن حرية الصحافة ليست مطلبًا فئويًا أو امتيازًا خاصًا بالصحفيين، بل هي حق أصيل للمجتمع بأكمله، وركيزة أساسية من ركائز الدولة الحديثة. فالصحافة الحرة تمثل عين الوطن اليقظة، وضميره الحي، وصوته الذي يرصد الواقع وينقل نبض المواطنين ويكشف مواطن القوة والضعف، ويسهم في تصحيح المسار ودعم جهود التنمية والإصلاح.
وعندما يكون الصحفي حرًا في قلمه، صادقًا في كلمته، آمنًا في ممارسة مهنته، يصبح الوطن أكثر قدرة على مواجهة التحديات، وأكثر احترامًا لحق المواطن في المعرفة، وأكثر استعدادًا لمكافحة الفساد وترسيخ قيم العدالة والمساءلة. فحماية الصحفي هي في جوهرها حماية لحق المجتمع في الوصول إلى المعلومات، وصيانة لأحد أهم أعمدة الديمقراطية.
لقد أثبتت التجارب أن تقييد حرية الصحافة لا يضر الصحفي وحده، بل ينعكس سلبًا على المجتمع بأسره. فكلما تراجع دور الصحافة تراجعت معه الرقابة المجتمعية، وضعفت آليات المحاسبة والمراجعة، وتقلصت المساحات التي يجد فيها المواطن من يعبر عن قضاياه وهمومه ويطرحها أمام الرأي العام وصناع القرار.
ومن هنا، فإن الحديث عن حرية الصحافة لا ينفصل عن الحديث عن مسؤولية الكلمة. فالصحافة الحرة والمسؤولة تمثل الضمانة الحقيقية للشفافية، وتؤدي دورًا محوريًا في دعم مؤسسات الدولة وتعزيز الثقة بينها وبين المواطنين. وهي ليست خصمًا للدولة كما يحاول البعض تصويرها، بل شريك أساسي في البناء والتنمية وحماية المصالح الوطنية.
وفي الذكرى الثلاثين لمعركة الحرية، تتجدد المطالب التاريخية للجماعة الصحفية بضرورة إصدار قانون حرية تداول المعلومات، وإلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر والعلانية، تنفيذًا لنصوص الدستور المصري، بما يضمن بيئة قانونية أكثر دعمًا لحرية الرأي والتعبير، ويعزز حق المواطنين في المعرفة.
كما تظل المطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للصحفيين جزءًا لا يتجزأ من معركة الحرية ذاتها، فكرامة الصحفي وحقه في حياة كريمة يشكلان أساسًا ضروريًا لاستقلاله المهني وقدرته على أداء رسالته النبيلة بعيدًا عن الضغوط والتحديات المعيشية.
إن مهنة الصحافة كانت وستظل من أشرف المهن وأكثرها ارتباطًا بقضايا الوطن والمواطن. وهي ليست ريشة توضع على رأس الصحفي، ولا حصانة شخصية يتمتع بها، بل مسؤولية وطنية ورسالة مجتمعية وطوق نجاة للمجتمع بأسره. فكلما ازدادت مساحة الحرية، ازدادت قدرة المجتمع على التطور والنمو ومواجهة الفساد والتطرف وترسيخ قيم العدالة وسيادة القانون.
وفي يوم الصحفي المصري، نتوجه بالتحية والتقدير إلى كل قلم حر، وإلى كل صحفي دافع عن الحقيقة وتحمل مشاق المهنة دفاعًا عن حق المواطن في المعرفة، كما نستذكر بكل الفخر والإجلال أصحاب المواقف الوطنية الذين صنعوا ملحمة العاشر من يونيو عام 1995، وتركوا للأجيال نموذجًا خالدًا في الدفاع عن حرية الصحافة وكرامة المهنة.
وفي هذه المناسبة، نجدد العهد بأن تظل الصحافة المصرية صوتًا للحق، ومنبرًا للحقيقة، وسندًا للمواطن، وشريكًا في بناء الوطن.
فلا وطن حر بلا صحافة حرة، ولا صحافة حرة بلا مجتمع يؤمن بأن الكلمة الصادقة هي أساس التقدم وركيزة النهضة وبوابة المستقبل.
وكل عام وصحفيو مصر بخير، وكل عام والوطن أكثر حرية وعدالة ووعيًا.