حرفٌ ونبض : “الكتابة ليست مهنة من يجيد الحروف، بل قدر من لا يستطيع الهروب من صوته الداخلي”
حرفٌ ونبض : “الكتابة ليست مهنة من يجيد الحروف، بل قدر من لا يستطيع الهروب من صوته الداخلي”
بقلم: الدكتور محمد ميموني
في المحيط الشاسع لهذا الوجود، حيث تتكسر أمواج المعنى على صخور الصمت، وحيث تمضي الأرواح مثقلةً بما لا تستطيع البوح به، يقف الإنسان أمام أعقد معضلة عرفتها الذات منذ فجر الوعي: كيف يمكن لما يعتمل في الداخل أن يجد طريقه إلى الخارج؟ كيف يمكن لذلك الارتجاف الخفي الذي يسكن أعماق القلب أن يتحول إلى جملة، وللدمعة المؤجلة أن تصبح حرفًا، وللحنين أن يرتدي ثوب اللغة؟
إنها المعضلة التي رافقت الإنسان منذ أن اكتشف الكلام، ثم اكتشف بعده أن الكلام نفسه عاجز أحيانًا عن حمل ما يشعر به. فبين النبض والحرف مسافة شاسعة، ليست مسافة زمن أو مكان، بل مسافة وجود كاملة. هناك في الأعماق تولد المشاعر حرةً وعاريةً من كل قيد، لا تعرف قواعد النحو، ولا تخضع لقوانين البلاغة، ولا تهتم بفصاحة البيان، بينما ينتظرها الحرف عند ضفة أخرى من الوعي، متأنقًا بقواعده وأوزانه وحدوده، فينشأ الصراع الأبدي بين حرارة الشعور وبرودة الصياغة.
ولطالما قلت:
“ليست الكتابة أن تعرف ماذا تقول، بل أن تعرف كيف تجعل القارئ يشعر بما عجزت الكلمات عن قوله.”
فالكاتب الحقيقي لا يبيع الكلمات، ولا يرصّ الجمل كما تُرصّ الحجارة في الجدران، وإنما يحاول أن ينقل نبضه إلى الآخرين دون أن يفقد حرارته الأصلية. إنه أشبه بمن يحمل جمرةً متقدة بين يديه ويحاول أن يسلمها إلى قارئ بعيد دون أن تنطفئ في الطريق.
كثيرًا ما تغمرنا مشاعر يصعب تصنيفها. ليست حزنًا خالصًا ولا فرحًا كاملًا، ليست حبًا صرفًا ولا كراهية محضة، وإنما خليط معقد من الانفعالات المتداخلة التي تتشابك كما تتشابك الجذور في أعماق الأرض. عندها نشعر أن اللغة أضيق من أن تحتوي ما بداخلنا، وأن القواميس كلها لا تكفي لوصف رعشة واحدة من رعشات القلب.
وهنا تتجلى المأساة الجميلة للكتابة.
فالإنسان لا يعجز عن التعبير لأنه فقير اللغة دائمًا، بل لأنه غني الشعور أحيانًا.
وكم قلت في هذا المعنى:
“حين تصبح المشاعر أكبر من اللغة، يبدأ الأدب الحقيقي.”
لذلك نجد الكاتب يجلس أمام الورقة البيضاء ساعات طويلة، لا لأنه لا يملك الكلمات، بل لأنه يخشى أن تخون الكلمات الحقيقة التي تسكنه. يخشى أن تتحول النار المشتعلة في داخله إلى رماد بارد فوق الصفحة. يخشى أن يخرج النص أقل جمالًا من الألم الذي أنجبه، أو أقل عمقًا من الفكرة التي ولد منها.
إن الحرف دون نبض مجرد هندسة لغوية باردة، قد تبهر العقل لكنها لا تمس القلب. أما النبض دون حرف فهو طاقة هائلة محبوسة خلف جدران الصمت، تشبه نهرًا يبحث عن مجرى فلا يجده، أو طائرًا يملك جناحين لكنه لا يجد سماءً يطير فيها.
ومن هنا تنشأ العلاقة العجيبة بين الحرف والنبض.
إنهما ليسا عنصرين منفصلين، بل وجهان لحقيقة واحدة. فالحرف هو الجسد، والنبض هو الروح. والحرف هو الشكل، والنبض هو الجوهر. والحرف هو المرئي، والنبض هو المستتر. فإذا انفصل أحدهما عن الآخر فقد النص حياته، تمامًا كما يفقد الجسد معناه إذا غادرته الروح.
ولعل أعظم النصوص ليست تلك التي كُتبت بإتقان تقني فحسب، بل تلك التي كُتبت بصدق كامل. فالقارئ قد ينسى العبارات البديعة، وقد ينسى الصور البلاغية المدهشة، لكنه نادرًا ما ينسى نصًا جعله يشعر أنه ليس وحيدًا في هذا العالم.
ولطالما آمنت بأن:
“القارئ لا يبحث في النص عن الكاتب، بل يبحث عن نفسه.”
ولهذا السبب تعيش بعض النصوص قرونًا كاملة بينما تموت أخرى فور ولادتها. فالنصوص الخالدة ليست نصوصًا مكتوبة بالحبر وحده، وإنما هي نصوص كُتبت بالإنسان ذاته. كُتبت بالخوف، والانتظار، والحلم، والانكسار، والأمل، والخذلان، وكل تلك التفاصيل الصغيرة التي تصنع مصير الروح.
إن الكتابة في جوهرها ليست فعل إخبار، بل فعل نجاة. ليست ترفًا لغويًا، بل محاولة دائمة لترميم التشققات التي تحدثها الحياة في جدراننا الداخلية. نحن نكتب لأننا نخاف النسيان، ونكتب لأننا نخاف الصمت، ونكتب لأن في داخل كل واحد منا عالَمًا كاملًا يطالب بالخروج إلى النور.
وما أكثر ما رددت:
“الكتابة ليست مهنة من يجيد الحروف، بل قدر من لا يستطيع الهروب من صوته الداخلي.”
فحين يضيق العالم بالإنسان، يفتح له الحرف نافذة. وحين تتراكم الهزائم في قلبه، يمنحه النبض سببًا آخر للاستمرار. وحين يعجز عن تغيير الواقع، يمنحه النص فرصة لإعادة تشكيله على الورق.
إن أجمل ما في العلاقة بين الحرف والنبض أنها لا تخضع لقانون ثابت. فهي ليست معادلة يمكن حفظها، ولا مهارة يمكن تعلمها بالكامل. إنها حالة من التجلي النادر، لحظة تتصالح فيها الروح مع اللغة، ويتوقف الصراع بين الداخل والخارج، فيولد النص كما تولد النجوم في ظلمة الكون.
وفي تلك اللحظة تحديدًا يصبح الكاتب مجرد وسيط بين ما يشعر به وما يُكتب، وكأن الكلمات هي التي تكتب نفسها، وكأن النبض هو الذي يمسك بالقلم. عندها لا يعود النص مجرد سطور مصطفة فوق الورق، بل يتحول إلى كائن حي يتنفس بين السطور، وينمو في ذاكرة القراء، ويواصل حياته حتى بعد غياب صاحبه.
ولهذا أقول دائمًا:
“يموت الكاتب يومًا، لكن الحرف الذي كُتب بصدق يرفض أن يموت.”
وفي نهاية المطاف، يبقى الحرف والنبض أعظم ثنائية عرفتها التجربة الإنسانية. فالحرف يمنح الإنسان أثره، والنبض يمنحه إنسانيته. الحرف يواجه النسيان، والنبض يواجه العدم. وإذا ما التقيا في لحظة صدق نادرة، انقشعت غيوم العجز، وسقطت الحواجز بين الروح واللغة، وولدت تلك النصوص التي لا تُقرأ بالعين وحدها، بل تُقرأ بالقلب أيضًا.
تلك النصوص التي لا تنتهي عند آخر سطر، لأنها تحمل سر الحياة ذاته… وتواصل نبضها في أرواح الآخرين، حتى بعد أن يجف الحبر بسنوات طويلة.