الإخراج الفني في النص القرآني..”حياة موسى” على شاشة القرآن.. ( 41).. في موسى ورسالته – 29

الإخراج الفني في النص القرآني
الإخراج الفني في النص القرآني

نذكر بإن الله قد قال في بداية سورة القصص.. “نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3)”.. ويسير السيناريو وأحداث القصة ثم لا يأتي لها بنهاية.. ليس في القرآن ل” حياة موسى” نهاية.. ولا حتى بما يسمونه بالنهاية المفتوحة.. حتى وإن جاء المشهد الأخير للأحداث على أبواب الأرض المقدسة.. وعلى أبواب الدخول في حرب عظيمة.. ولا نهاية….. إنه القرآن..

جاءت الكتب السماوية جميعا بالتوحيد لله.. وبالشرائع لهداية البشر وضبط أمور حياتهم بالعدل والقسطاس.. وجعل الله يذكر الظالمين دوما بإنهم ظلموا أنفسهم بالشرك بالله.. ولم يكن موسى عليه الصلاة والسلام بدعا من الرسل.. فقد أرسله الله إلى فرعون وملأه وإلى بني إسرائيل على السواء.. فأهلك الله فرعون ومن شايعه.. ثم عانى موسى من بني إسرائيل حتى قضي.. ولم يسلم هو نفسه من أذاهم.. هكذا جاء في سورة الصف.. ولم يذكر القرآن فيها بالتحديد عن الواقعة بعينها التي كانت سبب النزول.. وإن قصت بعض كتب السيرة النبوية والحديث الشريف جانبا من هذا الأذى..
يقول موقع (إسلام ويب) في هذا:

(( في الآية رقم 69 من سورة الأحزاب في قوله -تعالى-: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا” {الأحزاب: 69}. أنه في هذه الآية الكريمة يحذر الله المؤمنين من أذية رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم-.. ويحذرهم من التشبه بحال بني إسرائيل في أذيتهم لكليم الله موسى -صلوات الله وسلامه عليه- وعلى نبينا محمد.. وعلى سائر أنبياء الله ورسله.. وأخبر الله -تعالى- أنه برأ موسى مما آذاه به بنوا إسرائيل.. وأنه وجيه عند الله -تعالى- عظيم القدر.. وأذية بني إسرائيل.. هي المذكورة في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
“كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض.. وكان موسى -صلى الله عليه وسلم- يغتسل وحده.. فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر.. فذهب مرة يغتسل.. فوضع ثيابه على صخرة.. ففر الحجر بثوبه.. فخرج موسى في أثره يقول: ثوبي يا حجر.. حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى فقالوا: والله ما بموسى من بأسٍ” أو ما معناه..
والآدر هو: منتفخ الخصيتين وقيل: إن أذيتهم له أنهم اتهموه بأنه قتل هارون -عليه السلام-.. فأظهر الله لهم آية تبرؤه من ذلك.))..

نقترب من نهاية “حياة موسى”.. دون نهاية محددة.. فالأحداث والبدايات والنهايات ليست هي الهدف.. الإعتبار هو الغاية.. هكذا يقول تعالى في ذات الغرض في سورة الصف – الآية 5:

  • ” وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي..؟ وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ ..؟
    …. فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ ….
  • وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ”..
    إنه يواجههم هنا بالحوار المباشر.. ويخبرهم بالمواجهة أن الله قد أنبأه بما يقولون عنه في الخفاء من وراء ظهره.. وما يسرون به لبعضهم البعض في ما يؤذيه.. وأنهم يعلمون أنه نبي الله ورسوله وأن الله ما جعل مثل ما يدعونه في أنبياءه.. وهو امتداد وتفصيل لما جاء في سورة الأحزاب.. وتقول موسوعة التفسير في مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
    (( لَمَّا ذَكَر اللهُ تعالى الجِهادَ.. ذَكَر قِصَّةَ موسى وعيسى عليهما السَّلامُ؛ تسليةً لنَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ ليصبِرَ على أذى قَومِه.. مُبتَدِئًا بقِصَّةِ موسى عليه السَّلامُ.. لتقَدُّمِه.. وأيضًا لَمَّا كان في المؤمنينَ مَن يقولُ ما لا يَفعَلُ.. وهو راجِعٌ إلى الكَذِبِ؛ فإنَّ ذلك في معْنى الإذايةِ للرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ إذ كان في أتْباعِه مَن عانَى الكَذِبَ.. فناسَبَ ذِكرُ قصَّةِ مُوسى وقَولِه لقَومِه: لِمَ تُؤْذُونَنِي.. وإذايتُهم له كانتْ بانتِقاصِه في نفْسِه.. وجُحودِ آياتِ اللهِ تعالَى.. واقتِراحاتِهم عليه ما ليس لهم اقتِراحُه..
    وانه أيضًا لَمَّا ذَكَر أمْرَ الجِهادِ؛ بَيَّنَ أنَّ موسى وعيسى عليهما السَّلامُ أَمَرَا بالتَّوحيدِ وجاهَدَا في سَبيلِ اللهِ.. وحَلَّ العِقابُ بمَن خالَفَهما.. وأيضًا لَمَّا كان التخَلُّفُ عن أمرِ اللهِ تعالى.. والغَفلةُ عن شَيءٍ يُؤَدِّي تَرْكُه إلى التَّهاوُنِ به.. والإخلالِ بأدَبٍ مِن آدابِه: مُوجِبًا للكَونِ في صَفِّ الشَّيطانِ.. ومُفارَقةِ حِزبِ الرَّحمنِ.. فيَكونُ آذى الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.. فيُوجِبُ ذلك الشَّقاءَ كُلَّه؛ لأنَّه جَديرٌ بأن يَجُرَّ إلى أكبَرَ منه؛ إلى أن تُحيطَ الخَطايا فتُبيحَ الرَّزايا.. وكان للتَّذكيرِ بالمُشاهَداتِ والأُمورِ الواقِعاتِ ما ليس لغَيرِه في التَّأديبِ.. ومَرجِعِ التَّرهيبِ- ذكَّرَ بما كان لبني إسرائيلَ؛ ترهيبًا مِن مِثْلِ حالِهم.. واذكُرْ -يا محمَّدُ- حينَ قال موسى لِقَومِه بني إسرائيلَ: يا قَومِ.. لِمَ تُصيبونَني بما يُؤذِيني.. والحالُ أنَّكم تَعلَمونَ عِلمًا يَقينيًّا أنِّي رَسولُ اللهِ إليكم.. وأنَّه يَجِبُ عليكم تَعظيمي والانقيادُ لأَمْري)) ..

إن سورة الصف تسوق موقفا من حياة موسى في سيناء بعد عبور البحر.. وربما كانت هذه الحادثة قد حدثت في سياق دعوته لقومه إلى الجهاد في سبيل الله.. وأمر الله لهم إلى دخول الأرض المقدسة.. وهو ما رفضت بنوا إسرائيل القيام به.. وما قالوا لنبيهم فيه.. أن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون.. وأنهم قد رفضوا مجرد محاولة الدخول على من فيها رغم أن الله كان يكفل لهم جينها النصر.. نذكر بما جاء من سورة المائدة.. والمشهد الأخير في “حياة موسى”:
” وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)”..

فسورة الصف تدعو المؤمنين في المقام الأول إلى الجهاد.. وتقرر حقيقة خالدة تدوم أبد الدهر.. إن الله لا يهدي القوم الفاسقين الذين لا ينصاعوا للأمر.. ولا تحدثهم أنفسهم بالتضحية في سبيل الله بالنفس وبالمال..
ولا نعبر الآيات من سورة الصف دون التذكير ببشارة عيسى بن مريم.. ” وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6)”.. صلى الله عليه وسلم…

أراكم في حلقة قادمة إن شاء الله..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى