فِي حِرَاسَةِ المَعْنَى وَصَوْنِ الأَثَرِ – مقال
فِي حِرَاسَةِ المَعْنَى وَصَوْنِ الأَثَرِ
بقلم الدكتور محمد ميموني.
لا يَفْصِلُ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالعَدَمِ سِوَى سِيَاجٍ وَاحِدٍ؛ كَلِمَةٌ نَبَعَتْ مِنْ أَعْمَاقِ القَلْبِ، أَوْ عِبَارَةٌ فَاضَتْ عَنْ خَاطِرٍ عَفْوِيٍّ وَبَيَانٍ سَاحِرٍ. لَمْ تَكُنِ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ يَوْماً مُجَرَّدَ غِشَاءٍ ظَاهِرِيٍّ لِنَقْلِ أَعْرَاضِ الحَيَاةِ العَابِرَةِ أَوْ صَفَقَاتِ الأَسْوَاقِ، بَلْ هِيَ الرِّئَةُ الَّتِي تَتَنَفَّسُ بِهَا هُوِيَّتُنَا، وَالشَّرَارَةُ الأُولَى الَّتِي تُنِيرُ الزَّوَايَا المُظْلِمَةَ فِي العُقُولِ. وَفِي زَمَنِنَا هَذَا، حَيْثُ التَبَسَتِ الأُمُورُ وَبَاتَ الزَّائِفُ يَطْغَى عَلَى الأَصِيلِ، يَظَلُّ الأَدَبُ الرَّفِيعُ وَحْدَهُ المَعْقِلَ الأَخِيرَ الَّذِي يَسْنُدُ خَيْمَةَ الذَّائِقَةِ الجَمَالِيَّةِ كَيْ لاَ تَهْوَى.
إنَّ النَّصَّ الَّذِي يَفْتَقِرُ إِلَى سِرِّ البَقَاءِ يُولَدُ مَيِّتاً، حَتَّى وَإِنْ مَلَأَ الآفَاقَ ضَجِيجاً. وَالمَحَكُّ الحَقِيقِيُّ فِي مِيزَانِ النَّقْدِ لاَ يَتَوَقَّفُ عِنْدَ كَثْرَةِ الأَسْطُرِ وَلاَ المُبَالَغَةِ فِي الزَّخْرَفَةِ، بَلْ فِي ذَلِكَ التَّدَفُّقِ الرُّوحِيِّ القَوِيِّ الَّذِي يَسْتَقِرُّ فِي ذِهْنِ القَارِئِ بَعْدَ أَنْ يُغْلِقَ الكِتَابَ. كَمْ مِنْ مَنْظُومَاتٍ شِعْرِيَّةٍ وَنُصُوصٍ نَثْرِيَّةٍ بَادَتْ بِمُجَرَّدِ انْقِضَاءِ المَجْلِسِ! وَكَمْ مِنْ كَلِمَاتٍ كُتِبَتْ بِدَمِ الفِكْرِ وَحَرَارَةِ المَعْنَى فَغَدَتْ مَعَالِمَ قَائِمَةً فِي تَحَوُّلاَتِ التَّارِيخِ، وَلاَ تَزَالُ تَسِيرُ بَيْنَ النَّاسِ بِرُوحِ أَصْحَابِهَا الحَيَّةِ بَعْدَ أَنْ غَابَتْ أَجْسَادُهُمْ!
لَنْ يَبْلُغَ الكَاتِبُ هَذَا المُرْتَقَى العَالِيَ مِنَ التَّمَيُّزِ إِلاَّ إِذَا عَقَدَ مِيثَاقاً مَعَ لُغَتِهِ؛ يَنْهَلُ مِنْ جَلاَلَتِهَا وَقُوَّتِهَا دُونَ جَفَاءٍ، وَمِنْ بَلاَغَتِهَا دُونَ اسْتِعْلاَءٍ. فَحِينَ يَعْيَا الَضُّعَفَاءُ وَيَتَسَاقَطُونَ أَمَامَ سُهُولَةِ التَّقْلِيدِ، يَنْهَضُ الفُرْسَانُ الحَقِيقِيُّونَ — أُولَئِكَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ هَمَّ الكَلِمَةِ — فَيَصْنَعُونَ مِنَ الحُرُوفِ دُرُوعاً وَمِنَ الكَلِمَاتِ حُصُوناً، مُتَمَثِّلِينَ قَوْلَ أَبِي الطَّيِّبِ:
عَلَى قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ تَأْتِي العَزَائِمُ … وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المَكَارِمُ
تِلْكَ هِيَ الأَمَانَةُ العَظِيمَةُ المُلْقَاةُ عَلَى عَاتِقِ حُرَّاسِ الضَّادِ؛ أَلاَّ يَسْتَسْلِمُوا لِلْمَعَانِي الهَشَّةِ وَالرَّكَاكَةِ العَابِرَةِ، وَأَنْ يَصُوغُوا نُصُوصاً تَتَجَلَّى فِيهَا هَيْبَةُ الفِكْرِ، لِتَبْقَى مَنَارَاتٍ تَدُلُّ عَلَى أَصَالَتِهِمْ وَمَرْفُوعَةً عَلَى جِدَارِ الزَّمَنِ.