مَرايـــــا – الأدب و النثر
مَرايـــــا – أدب و نثر
سليمان دغش
على المرآةِ لا أحدٌ سِوايَ، أنا هُنا وهُناكَ في المرآةِ
أسألُها وأسألني، أثَمَّةَ واحِدٌ فيها أراهُ، فَهْل يَراني؟
كأنّا توأمانِ فمَنْ رآهُ كأنْ رآني، لمْ يكنْ لي توأَمٌ منذُ
الولادَةِ، كيفَ للمرآة أنْ تأتي بِمثلي في ثوانِ،
قُلتُ أكتَشِفُ الحَقيقةَ عِبرَ أسئِلتي كَسقراط الحكيمِ مُعَلّمي،
هل مِنْ طريقٍ للحقيقَةِ غير أسئلةٍ نُعِدُّ لها سؤالاً آخَراً يَلِدُ الحوارَ الفَلسَفِيَّ عَنِ الحَقيقَةِ والوجودِ بما تَعَدّى ما نَرى
أَما كُنّا قُبَيلَ الخَلقِ وَهماً فاتَّحَدنا بالهيولى بعدَها لِنَرى بِها
وَبِها نُرى؟
حدَّقتُ في المرآةِ أبعَدَ منْ مَدى البَلّورِ فيها، إنَّ للمرآةِ
بُعداً آخَراً، لا رَيبَ فيهِ، لعَلّني أجِدُ الجَوابَ لكُلِّ أَسئِلَتي الخَفِيَّةِ، إنْ خَرَجتُ الآنَ مِنْ ذاتي على نَسَقِ التَّجلي خَلفَ رؤيَتِها، وأعلا مِن رؤاها، كيْ أراها أو تَراني، فاقتَرَبتُ إذْ ابتَعَدتُ أو ابتَعَدتُ إذا اقتَرَبتُ، رأيتُني ورأيتُهُ فِيها وَفِيَّ
نَظَرتُ في عَينَيهِ في المرآةِ، لا لأراهُ، بلْ لأرى بِعينَيهِ أنا
عَينَيَّ، هلْ أحدٌ رأى عَينَيهِ إلّا في المرايا؟
يا إلهي أيّ سِرٍّ في عيونِ الخَلقِ قد أودَعتَهُ فَيِها، نرى
الدنيا إذا شِئنا، ولكنْ لا نَراها دونَما وَهمِ المَرايا،
كَيفَ نُدرِكُ أنَّ أعيُنَنا تَعَدَّتْ آلةَ التَّصويرِ والكاميرا، فما
التَقَطَتهُ مِنْ صُوَرِ الحَياةِ على امتِدادِ عروضِ شاشَتِها التي لا تنتَهي أبداً، تُواصِلُ بَثَّها الحَيَّ المُباشِرَ خارِجَ الأرشيفِ والألبومِ، حيثُ تموتُ لا ذِكرى وذاكرةٌ هناكَ لها على المرآةِ يبتَدِئُ التأملُ رحلَةً في الذّاتِ، حينَ تَراكَ
وَحدَكَ فبكَ، لا أحدٌ سواك هُنا سواكَ، فحاوِرِ المرآةَ فيكَ برؤيَةٍ أخرى لذاتِكَ، وامسَحِ الغَبَشَ المُراوِغَ في هَشاشَتِها اللطيفَةِ فالفَراشَةُ تَعشَقُ الأفُقَ الجَلِيَّ يُضيئُهُ ويُضيئُها القِنديلُ في مِشكاةِ وِحدَتِها، فَدَعْ لِجناحِها حريَّةَ التَّحليقِ أبعَدَ مِن هواجِسِكَ الشَّقِيَّةِ في الحياةِ، فأنتَ وَحدَكَ سِندِبادُ الرّحلةِ الأولى ورِحلتكَ الأخيرةِ عائدا مِنها إليها مرَّةً أخرى على لُجَجِ البِحارِ
فكُنْ جَديراً بالعَواصِفِ، واختَبِرْ فيها مِزاجَ الريحِ، نَبضَ الموجِ في الزَّبَدِ المُراوِغِ، لا تُصَدّقْ رؤيَةَ العرّافِ واتبَعْ حِكمَةَ
الملّاحِ فيكَ، لعَلَّ طالِعَ بُرجِكَ الشَّمسِيِّ يُلهِمُكَ الدَّليلَ إلى النّجاةِ، ولا تُصَدّقْ ما رأتْ عيناكَ لكنْ ما رأيتَ بِعَينِ ذاتِكَ
إنْ رأَتْكَ رأَيتَها ورأيتَ أَبعَدَ مِنْ رُؤاكَ على مَراياها الخَفيَّةِ والتِباسكَ في رؤاها، لا تُحاوِرْ غَيرَ ذاتِكَ فيكَ تَكتَشِفِ الحَقيقَةَ شبهَ عارِيَةٍ كَخَيطِ النورِ يُلهِمُنا فَتُختَزَلُ المَرايا
على المرآةِ لا أحَدٌ سِوايَ، رأيتُهُ ورأيتُني فيها
فَبِتنا واحِداً لا اثنَيْنِ والمرآةُ شاهِدَةُ التَّجَلّي