الطاووس – الأدب و النثر
الطاووس – الأدب و النثر
سليمان دغش
مَرَّتْ على هُدُبِ النُّعاسِ بطَيفِها الذِّكرى، تُراوِدُ جَفنَ ذاكِرَتي
لتأخُذني إلى ماضِيَّ، ألهَثُ في أراشيفِ السَّرابِ على
جَناحِ الوهمِ، بَحثاً فِيهِ عَمّا كُنتُ، لا لأُعيدهُ حياً فأحيا
فيهِ ثانِيَةً، فذلكَ لا مَحالَةَ مُستَحيلٌ في الحَقيقَةِ، كلُّ شيءٍ قابِلٌ
للاستعادَةِ ما عدا الزَّمَنُ المُهاجِرُ في مدى الأبَدِيَّةِ الزّرقاءِ
نحوَ اللانِهائِيِّ البعيدِ، فلا يَُرَدُّ ولا يَعودُ إلى الوراءِ،
ووحدها الذّكرى تُهَوِّمُ كالفراشَةِ، بعدَما فَقَدَتْ جَناحَيها، على
وَهَجِ القناديلِ التي أغرَتْ هَشاشَتها، وراوَدَها بما تَهوى السَّنا،
عَبَثاً تُحاوِلُ أنْ تطيرَ، لَعَلَّ عِشْقَ النورِ يُرجِعُها إلى قِنديلِ
رؤيَتِها الذي انطَفَأَتْ ذُبالَتُهُ بِمشكاةِ انتِظارِهِ لَوعَةً وأسىً،
لتَبتَعِدَ الفراشةُُ في السَّرابِ مِنَ السَّرابِ إلى السَّرابِ
إلى مَحطَّتِهِ الأخيرَةِ فوقَ أرصِفَةِ السُّدى
لا شيءَ يفنى بالتَّقادُمِ في الحياةِ، لرُبَّما ابتَعَدتْ بنا الذكرى
إلى ما يُشبِهُ النسيانَ، أو آلتْ إلى الألبومِ تُخفي دَمعَةً نَطَرَتْ
على الشُّباكِ، تنتَظِرُ المساءَ على رؤى القنديلِ يُحييها ويُحيينا
الحنينُ إلى دفاتِرِنا القديمَةِ، نستَرِدُّ ولو مجازاً بَعضَ مَرحَلةٍ
تركناها تَمُرُّ على رؤوسِ أصابِعِ القَدَمَينِ حافِيَةً، على رَملِ
الشَّواطئِ في مَهَبِّ الرّوحِ، مِنْ حَيفا إلى يافا القَديمَةِ،
مَرَّتِ الريحُ العَتِيّةُ خِلسَةً بَينَ الأصابِعِ والأزِقَّةِ والبيوتِ المُطمَئِنَّةِ،
كانَتِ الشُّرُفاتُ مأوىً للعَصافيرِ البريئَةِ أو مَهاجِعَ للسُّنونو
بعد حيرَتِها ورِحلَتِها الطَّويلةَِ، لمْ نَكُنْ ندري بأنَّ الريحَ ماكِرَةٌ
كَعادَتِها ائتَمَنّاها على مينائنا البَحرِيِّ، وجهَتِنا الوحيدَةِ لاكتشافِ
شواطِئِ الحُلُمِ المسافِرِ في شِراعِ السِّندبادِ، فغافَلَتْنا ذاتَ عاصِفَةٍ
ومَرتْ نحوَ غايَتِها الأخيرَةِ، لمْ نَجِدْ لمّا أَفَقنا مِنْ سُباتِ الكَهفِ
شيئاً غيرَ أسئلَةٍ على شَفَةِ الصّدى
مرَّتْ على هُدُبِ النُّعاسِ بطَيفها الذكرى، تُراوِدُني على وَسَنِ
المنامِ المُخمَلِيِّ لعَلَّ تأخُذني إليَّ لأستعيدَ طُفولتي الأولى
على شَغَفِ المَرايا، كانتِ المرآةُ شاهِدَةَ المراحِلِ كُلِّها، فبدأتُ
أكبُرُ ثُمَّ أكبُرُ في مدى بَلورِها، فَرِحاً بأنّيََ كنتُ أكبُرُ
دونَ أن أدري بأنَّ العُمرَ يَقصُرُ كلَّ يومٍ في متاهَاتِ المَرايا،
ليتني ما زِلتُ طِفلاً لمْ تُخادِعْهُ المَرايا في طفولتِهِ البَهيَّةِ
والشَّقِيَّةِ، يومَ شاركتُ العصافيرَ البريئَةَ والفراشاتِ الرهيفَةِ
حُلمَها اللوزيَّ فوقَ ذُرى الجَليلِ، وخِفَّةَ الطَّيرانِ، لا مرآةَ
تُربِكُها، فتحتَرفُ التّوازُنَ مع مزاجِ الريحِ، تعلو ثمَّ تَهبِطُ
ثمَّ تَعلو في مسارٍ فَوضَوِيٍّ لا خرائِطَ أو ضَوابِطَ، لا حُدودَ
ولا قيودَ لهُ، إلى أنْ يَختَفي خلفَ المدى المنظورِ فالمَخفِيُّ
أجمَلُ من حَقيقَتِهِ إذا استعصى على التأويلِ مكتَفِياً
بوَحيِهِ في دَلالاتِ الومى
مرَّتْ على هُدُبِ النُّعاسِ بِخِفَّةٍ في طَيفِها، أما أنا وقَدِ اختَزَلتُ
شَريطَ ذاكِرَتي الطّويلَ على معارِجِ رؤيَتي ورُؤايَ مُنحازاً لِذاتِيَ
في الأنا، ما زِلتُ أبحَثُ فِيَّ عَنْ ماضٍ يُراقِبُني هُناكَ على
مُدَرَّجِ الانتِظارِ بطَيفِ مِنديلٍ يُلَوِّحُ للوداعِ مِنَ البَعيدِ إلى البعيدِ
بلهفَةٍ ملءَ المدى
وأنا إذْ امتَلأْتُ بحاضِري وَنَفَشتُ ريشِيَ مثلَ طاووسٍ يُحاوِلُ
أنْ يَرى عَبَثاً مفاتِنَ ذَيلِهِ الخَلفِيِّ مزهُواً بِهِ،
سأصيرُ يَوماً ما
أنا الذكـــــــــــرى