رسائل البحر – الأدب و النثر
رسائل البحر – الأدب و النثر
د. يسري ربيع داود

إذا جلست يومًا أمام البحر، فلا تنظر إلى زرقة الماء فقط ولا إلى شكل الموجات المتتابعة اللعوب؛ بل انظر إلى ما قد يخبئه البحر من حكايات.
قد تسعدك أمواجه أحيانًا، لكنها كثيرًا ما تزرع في قلبك رهبةً وخوفًا، خاصة حين يغدر البحر بمن وثقوا به.
أنا لا أجلس على الشاطيء بسذاجة الأطفال؛ لكنني أنظر هناك نحو الأفق البعيد الذي تغرق فيه الشمس أبحث عن حكاياتٍ غارقة فيه، أكلمه ويكلمني فيبوح لي ببعض أسراره، أحاول أن أفهمها.
أحاول أن أتخيل عدد الحكايات التي مرّت من هنا، وعدد الضحكات والدموع التي حملها الموج دون أن ينطق بكلمة.
لا أعرف أمينًا كالبحر؛ يحمل آلاف الأسرار، ولا يشي بسرٍ واحدٍ، هل وجدت السر الذي أفضيت به إليه تلوكه ألسنة الناس؟ البحر أكثر أمانًا من نفسك عليك. البخر يعامل الجميع بالقانون نفسه، فلا يغيّر سننه من أجل أحد.
البحر… يذكرنا بحقيقة لا نحب الاعتراف بها: أن الدنيا أوسع من قصتنا، وأن ما نظنه نهاية العالم اليوم، سيصبح غدًا مجرد موجة أخرى ذابت في البحر ضمن عديد الموجات التي تذوب فيه.
من رسائل البحر لي أنه ربما شاهد سفينة مختطفة مقطوع عنها الأمل، أو صيادًا عاد محملًا بالرزق والأمل. شاهد الحكاية كلها ولم يبح بالتفاصيل، ترك خيالك يسبح فربما لامس الحق يومًا ما .
ربما شاهد أمًّا كانت تدعو لابنها الواقف في عرض البحر يبحث عن طوق نجاة، أو يلتمس شاطئًا يصل إليه ابتغاء الرزق.
ربما شاهد طفلًا يضحك على الشاطئ، يداعب الموجات ببلاهة، غير مدرك أن هذا الأفق نفسه شهد قبل سنوات دموعًا، وفراقًا، وأحلامًا انكسرت، وأحلامًا كانت تبغى العيش وتشتهي متعة الحياة الدنيا لكنها غرقت فيه.
وربما مرت تلك الموجة فوق بقعة كان فيها إنسان يقاوم الغرق بكل ما بقي فيه من حياة. كانت يده تمتد في الفضاء تبحث عن نجاة، بينما كانت الأمواج تقاومه، فالأمواج لا تسأل الغريق عن اسمه، ولا عن عمره، ولا عن أحلامه؛ إنها لا تعرف إلا قانونها الذي لا يحابي أحدًا. وظيفتها الحركة القوية التي لا تعرف الرحمة. البحر لا يكره أحدًا، ولا يحب أحدًا، البحر يتعامل وفق قانونه مع الجميع.
وربما عبرت هذه الموجة الوادعة فوق مكان وقف فيه عاشق يخفي رسائله عن الناس، فلم يجد إلا البحر أمينًا على أسراره. قال للموج ذات يوم:
_ “احمل سلامي إليها.”
ولا أحد يعرف… هل وصلت الرسالة أم ابتلعها البحر كما ابتلع آلاف الكلمات التي لم يسمعها أحد؟
والتشابه الوحيد بين كل هذه الرسائل أنها كانت بالدموع ولم يطلع عليها أحد!
وربما مرت بجوار سفينة كانت تحمل سياحًا يلتقطون الصور، يرقصون ويشربون، ويعتنقون الحب بشراهة، ثم مرت بعد ساعات بجوار قارب صغير يحمل أناسًا قرروا أن يغامروا بأرواحهم في رحلة هجرة غير شرعية، عاد بعضهم إلى الشاطئ، ولم يعد بعضهم الآخر أبدًا.
تماًما مثلما حدث مع أبناء المغرب ، يريدون الحياة لكن الحياة تأبى أن يسعدوا فيها، فعادوا يجرون أذيال الخيبة، عادوا بعد أن فقدوا المئات غرقى في هذه الموجة التي تتراقص أمامي الآن!
جاءت موجة صغيرة تنهرني وأنا أنظر هناك في الأفق البعيد، أشاهد غرق الشمس في مياهه، لامست قدمي، قالت لي:
_نكتفي بهذا القدر من الإلهام، لا تحاول الإطلاع على أسرارنا، فربما تصاب بالكآبة بعد أن أقبلت إلى هنا تريد المتعة.
فهمت قالتها، وعلمت سبب حبي للبحر. علمت أنه يعطيني الأمل بقدر اتساعه، يعلمني أن تجدد الموجات يعني تجدد الطموحات، وأن الدنيا واسعة بقدر اتساعه، وأن الرزق موجود على أرضها كما هو موجود في جوفه. علمت أن البحر لا يحفظ الوجوه وينفذ قوانينه على الكل، وأنه لكي تنجو من غدره فلا بد من معرفة قوانينه واحترامها لتنهل من خيراته وتلتمس النجاة إلى الشاطيء الآخر ، وهكذا الدنيا يمكنك النجاح فيها إذا عرفت قوانينها واحترمتها وتعاملت بها ، وأن الرزق متاح لمن أجاد ومن هو مستمر في السعي .
وأنا أغادر الشاطئ، أدركت أن البحر لم يمنحني كل أسراره، بل منحني ما أحتمله منها فقط. ترك لي بقية الرسائل في جوفه، ربما لأعود إليه يومًا، وربما لأظل أفتش عنها في بحر الحياة. لعل أعظم ما في البحر أنه يعرف الكثير… لكنه لا يفضح أحدًا.