الشاطر حسن وست الحسن : “ما بين أبي زيد وعنترة وعلي بن الريس عبد الواحد “
الشاطر حسن وست الحسن : “ما بين أبي زيد وعنترة وعلي بن الريس عبد الواحد “
د. أحمد دبيان
في السِّيَر الشعبية صورةٌ نمطيةٌ منذ بدء الخلق، وحكاياتٌ لا تنتهي عن الأميرة والصعلوك ابن الشعب المهمَّش، وكيف استطاع الخيال أن يقفز بالفجوات الطبقية ليحقق الصعود الاجتماعي لبطل السيرة الشعبية.
ومن عنترة وعبلاه، ورحلة صعوده الاجتماعي بالدم والسيف، وأشعاره المعبِّرة عن أزمته الطبقية، والتي تجلَّت في هذا البيت:
يُنادونَني في السِّلمِ يا ابنَ زبيبةٍ
وعندَ صِدامِ الخيلِ يا ابنَ الأطايبِ
إلى أبي زيد الهلالي وأميرته عالية العقيلية.
يعبر الخيال الإنساني الرحلة نحو التوق إلى الصعود الاجتماعي وتحقيق المدافعة الاجتماعية؛ لكي لا تظل الشعوب أسرى للجمود الطبقي الاجتماعي.
ظل الخيال المجتمعي يصوغ الروايات والسِّيَر بخطها النمطي:
البطل ذو الأصل المتواضع، والأميرة الحلم الصعب المنال؛ لتعزفها الأناشيد والربابة، فتحقق للإنسان العادي حلمه في أن يصل يومًا للمستحيل.
في القصص الشعبي يأتي الشاطر حسن ليحسم تجسيد الحلم الإنساني البسيط.
شاب فقير أو بسيط الحال، حسن الخُلق والهيئة، ذكي وشجاع. يقع في حب أميرة تُسمّى في بعض الروايات ست الحسن والجمال، وتصبح المسافة الاجتماعية بين الفقير والأميرة أساس الحكاية.
والشاطر هنا لا تعني «الماكر» بالضرورة، بل تحمل المعنى الشعبي القديم: الفتى المقدام، الذكي، القادر على تدبير أمره.
حيث يعيش حسن حياة بسيطة، ثم يلتقي الأميرة أو يراها، فيقع في حبها. ويصبح الوصول إليها أمرًا يكاد يكون مستحيلًا بسبب الفارق بينهما.
يعارض السلطان أو الملك هذا الحب، ويضع أمام حسن اختبارات ومهمات صعبة، وقد يدخل في بعض الروايات عالم السحر والجن والقصور المسحورة.
لكن حسن ينجح بذكائه وشجاعته ومساعدة شخصيات يلتقيها أثناء رحلته. وفي النهاية ينتصر على خصومه، ويثبت أنه يستحق الأميرة، ويتزوجها.
يقبل العقل الشعبي المصري والعربي سِيَر الأبطال الشعبيين، من عنترة إلى أبي زيد والشاطر حسن، لكنه ينتقد وبشدة التصور الثوري المصري الذي صاغه أديبنا الكبير يوسف السباعي في روايته:
(رد قلبي)
في الرواية كما صاغها يوسف السباعي تتركز الأحداث في علي ابن الريس عبد الواحد، وهو ابن الجنايني الفقير الذي يحب إنجي بنت الباشا منذ الصغر، ولكن الفوارق الطبقية تقف حائلًا بينهما.
يكبر علي ويصبح ضابطًا بالصدفة حين يضغط الإنجليز لزيادة قبول الأعداد في الكلية الحربية؛ ليقوم الجيش المصري بالأعمال المساندة والحرب العالمية الثانية على الأبواب، لتقوم ثورة يوليو فتقلب البناء الاجتماعي القديم، وتنتهي الحكاية بانتصار حبه لإنجي.
يكمن الفرق الجوهري أن الشاطر حسن ينتصر داخل عالم الحكاية الخرافية بالمغامرة والذكاء والشجاعة، بينما علي ينتصر داخل رواية سياسية اجتماعية؛ فثورة 23 يوليو هي التي تهدم الحاجز الطبقي الذي كان يمنع زواجه من إنجي.
ولهذا يمكن قراءة رواية رد قلبي بوصفها صياغة مصرية حديثة لنمط الشاطر حسن:
شاب فقير وفتاة من الطبقة الحاكمة.
حب مستحيل اجتماعيًا.
صراع مع سلطة الأب/القصر.
انقلاب في الظروف.
ثم انتصار الحب.
تكمن المعضلة في أن يخرج البعض في عبث التغييب من المهمشين، متندرًا عن فرضية تصويب البرنس علاء بندقيته، مصيبًا الضابط علي عبد الواحد برصاصة في رأسه؛ لينهي ذلك الحراك الذي هدم الجدر، متناسيًا أن تلك الرصاصة المفترضة كما تمناها، ستكون بمثابة حمله هو تلك البندقية، ممثلًا في عتهه وزيفه الطبقي نفسه بالبرنس علاء، وليكتشف بعد أن يضغط الزناد أنه يصوب فوهتها نحو رأسه هو، ولينتهي المشهد في السيناريو العبثي المتخيل، بإظلام تام.