عناد – قصة قصيرة
عناد – قصة قصيرة
بقلم عادل الفالوجي
كنت أقول دائمًا إن أخي هو أقرب الناس إليّ
كبرنا تحت سقفٍ واحد
تقاسمنا خبزًا وملابسَ وضحكات حتى الأحلام
لم يخطر ببالي يومًا أن أقف أمامه داخل قاعة محكمة وأن ينادي القاضي أسماءنا كما لو كنا غريبين
لا أخوين جمعهما عمرٌ كامل
بعد وفاة والدي، ترك لنا منزلًا قديمًا وقطعة أرض متواضعة
لم يكن الميراث كبيرًا لكنه كان حصاد سنواتٍ طويلة من التعب والكفاح
اتفقنا في البداية أن نقسمه بالتراضي لكن خلافًا بسيطًا حول قيمة الأرض أشعل بيننا نارًا لم نعرف كيف نطفئها
قال لي من اعتبرته صديقًا:
“لا تتنازل… فالحقوق لا تُؤخذ إلا بالقوة.”
ويقيني أن أحدًا قال لأخي الكلام نفسه
بدأت أول جلسة ثم الثانية ثم العاشرة.
أصبحت حياتنا تدور حول مواعيد المحاكم وتقارير الخبراء وأتعاب المحامين
كنا نتحدث مع الغرباء أكثر مما نتحدث مع بعضنا
وكانت أمي تعود من كل جلسة بعينين متعبتين
تدعو الله أن ينتهي الخلاف قبل أن ينتهي عمرها.
وفي أحد الأعياد جلست إلى مائدة الطعام
كانت المقاعد ممتلئة… إلا مقعد أخي.
عندها فقط أدركت أن القضية لم تعد قطعة أرض
بل بيتًا يتفكك بصمت.
مرت سنوات حتى جاء يوم الحكم.
استمع القاضي إلى التقرير الأخير ثم احتسب الرسوم والمصاريف وكل ما أنفقناه خلال سنوات التقاضي.
لم يبقَ من الميراث إلا القليل.
أغلق الملف بهدوء، وانتهت القضية.
أما أنا، فتعلمت أن ما انتهى في المحكمة لم يكن سوى الأوراق
أما الخسارة الحقيقية فلم تكن مكتوبة في أي ملف.
خرجت، فرأيت أخي يقف عند الباب.
كان الشيب قد سبقنا نحن الاثنين،
وكأن السنوات مرّت علينا ونحن ننظر إلى بعضنا من خلف جدارٍ اسمه العناد.
اقتربت منه دون كلمة ومددت يدي.
نظر إليّ طويلًا، ثم صافحني.
وتعانقنا وانخرط كلانا في بكاء شديد
وكأن دقات قلبينا حال عناقنا تتعاهد بما لم تتعاهد عليه ألسنتنا وعقولنا.