رجوع – قصة قصيرة


لم أكن أفر من المدينة يوم خرجتُ منها.
كنت أظن أنني سأعود بعد أيام.
كان أبي قد رحل وكنا سبعة إخوة،كل واحد منا يحمل همَ نفسه وحياته.
أما أنا فكنت أكبرهم ،
لا بالسن وحده ، بل بالأخوة الأسرية المعتادة في مجتمعنا دون طلب،
لم أعرف يومها أن الطريق الذي أسلكه لن يعيدني.
كان الظلم بلا وجه واضح لكنه كان يملك ألف يد،
كلما فكرت في الرجوع امتدت يد إلى حيث أعيش فتغلق بابًا،أو تزرع خوفًا،أو تذكرني بأن المدينة لم تعد تتسع لخطوتي.
مر عام،ثم عشرة.
ثم صار الرجوع حكاية مؤجلة بلا أجل.
كانت أمي تسألني في كل مهاتفة:
متى تعود يا أكمل؟
أبتسم وأقول:حينما يأذن الله يا أمي،ثم طال«البعاد» حتى شاخ.
ماتت أمي ومات بعض إخوتي وكبر الباقون بعيدًا عني وبقي البيت،بيتنا.
و شقتي التي بنيتها فيه، وتركتها مغلقة ،و تركت فيها جزءًا من عمري .
وعندما بلغت السبعين عدت.
فتحت الباب،كان الغبار يغطي الأشياء لكنني شعرت كأن أحدًا سبقني إليها.
كان الكرسي المفضل في مكانه كما هو منذ غادرتها مرغما،وصورة أمي في كل ركن ، وعلى الجدران ،
حتى مطبخي العلوي بدرجاته الخمس.
توقفت،ثم سمعت ضحكة أختي،فالتفتُّ ،لم يكن هناك أحد.
مشيت في الشقة ،فإذا بباب الغرفة الداخلية ينفتح ببطء،وراءه كل شئ كما تركته.
اسمع صوت إخوتي،
اسمع صوت أمي،
اسمع صوت أبي،
حدقت فيهم،عاجزًا عن الكلام.
قالت أمي:تأخرت يا أكمل.
قلت وأنا أبكي:الطريق كان طويلًا وقاسيا ياأمي!
ابتسم أبي:لم يعد هناك طريق.
نظرت خلفي,اختفت الجدران,اختفت المدينة.
اختفى كل شيءٍ إلا ذلك الجمع الذي اشتقت إليه سنواتٍ ثقالا،تقدمت نحوهم،ثم توقفت.
كان أبي يشير إلى باب من نور،قال: تعال.
سألته:إلى أين؟
قال:إلى مكان لا يعرف الظلم طريقًا إليه.
مددت يدي،فأمسكت أمي بها،عندها فقط فهمت لماذا لم تستطع سبعون سنة أن تجعلني أنسى طريق الرجوع، فمضيت نحوهم للمرة الأولى بلا خوف… وكان خلف ذلك الباب عالمٌ لا يحتاج فيه أحد إلى إثبات براءته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى