مِلك اليمين وحكمه في الإسلام


موضوع قديم متجدد يثار بين حين وآخر لسبب

أو لآخر وكلها أسباب مشبوهة .

أقرر أولا أني أتكلم عن أصل قضية ملك اليمين

في الإسلام وليس عن المسلمين .

هل الرق وملك اليمين هو اختراع إسلامي ؟

ملك اليمين في الفقه الاسلامي هو حكم شرعي ينظم حالة الرق والسبايا الموجودة في المجتمع

البشري القديم قبل الإسلام وبعده .

عرف الرق منذ آلاف السنين وقبل أن تنزل رسالة

الإسلام .

كان ذلك عرفا عالميا عرف في الدولتين الرومانية

والفارسية أقوى دولتين في عصرهما .

وكان الرق والعبودية من إفرازات الحروب بين الدول والمجتمعات .

عرف الرق في الجاهلية بين القبائل العربية ، وكانت القبيلة الغازية تأسر النساء والأطفال مع النوق والجمال .

وهذا الصحابي الجليل شهيد مؤتة / زيد بن حارثة أحد من تخطفتهم رماح العرب وبيع في سوق النخاسة لورقة بن نوفل الذي أهداه لعمته خديجة بنت خويلد والتي أهدته بدورها لزوجها

محمد بن عبد الله قبل البعثة النبوية ،

وبقي عنده ملك يمين إلى أن أعتقه وتبناه . وقصته بتفاصيلها في كتب السيرة لمن أراد التفاصيل .

وهذا يعني أن الرق كعرف وظاهرة اجتماعية كان معروفا في الجاهلية قبل الإسلام .

وفي الإسلام كان الرق وملك اليمين أمرا حتميا بعد الفتوحات الإسلامية وكما كان العرف سائدا في سبايا الحروب بين الأمم ، ولكنه كان محكوما

بقيد شرعي :

الجهاد المشروع

وبضوابط وشروط تحكم علاقة السبي بالمالك .

وبالنظر بموضوعية إلى قضية الرق والأخذ بعين الاعتبار شروطه وعلاقة طرفيه ،

فإن ملك اليمين هو في مصلحة الإماء أولا ثم في مصلحة المجتمع ثانيا .

قلنا إن الرق وملك اليمين هو نتاج الحروب .

وفي الحروب تقتل الرجال وترمل النساء .

وهنا تبرز ظاهرة اجتماعية لا يمكن غض الطرف عنها وهي حاجة المرأة إلى رجل يحغظها ويحفظ عرضها ويكفيها ذل السؤال والسير في طريق الرذيلة مضطرة ، وما يؤول إليه الأمر من فساد خلقي واجتماعي .

من هنا كان ملك اليمين في الحقيقة حصنا يحفظ

على المرأة حياتها وحياءها .

وهذا الفهم يرد على من يقولون إن الله خلق الناس أحرارا ولا يقبل عبودية بشر لبشر .

نعم هذا هو الأصل ،

ولكن الواقع يفرض معطيات واختيارات أخرى .

وتحقيقا لهذا التأصيل والعودة إلى الفطرة السليمة وحرية الإنسان فقد فتح الإسلام أكثر من باب للحد من ظاهرة ملك اليمين ووصولا إلى وقفها .

فقد حث الإسلام على عتق الرقاب في أكثر من موضع وحكم شرعي في القرآن ،

فجعل عتق الرقبة :

— كفارة للقتل الخطأ .

— وكفارة للظهار ، إذا ظاهر الرجل زوجته .

— وكفارة لليمين .

— وكفارة لمن يطأ زوجته نهار رمضان

— فتح أبواب العتق الطوعي والمكاتبة ،

والمكاتبة هي أن يتفق مالك اليمين ومن تحت حكمه على مبلغ من المال أو على عمل يؤديه مقابل عتق رقبته .

وفي حياة الرسول عليه الصلاة والسلام ما يرد على من ينكر أو يستنكر ظاهرة ملك اليمين :

— ذكرنا آنفا قصة زيد بن حارثة رضي الله عنه.

— ومن صور المكاتبة قصة أم المؤمنين / جويرية

بنت الحارث رضي الله عنها .

— وكذلك صفية بنت حيي بن أخطب القرظية .

— ومارية القبطية رضي الله عنها سرية رسول الله . وقد عرض عليها رسول الله أن يعتقها ويتزوجها فقالت : يا رسول الله ملك اليمين أرفق بي وبك .

وعلاقة الرجل بملك اليمين ليست علاقة بهيمية كما يفهمها البعض وكما يروج لها المغرضون ،

بل هي محكومة بشروط وضوابط تحفظ عليها إنسانيتها :

— يشترط لوطء الأمة أن يتملكها ملكا كاملا

— الاستبراء ، وهو أن تحيض حيضة واحدة قبل أن يطأها للتأكد من براءة الرحم .

— تحرم ملك اليمين إذا وطئها مالكها على آبائه وأبنائه حرمة أبدية

— حسن معاملة الرقيق وإطعامهم وإلباسهم

— عدم تكليفهم ما لا يطيقون من عمل .

— مراعاة إنسانيتهم ، فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال :

لا تقل عبدي وعبدتي بل قل فتاي وفتاتي .

هل ذكر ملك اليمين في القرآن الكريم كحكم شرعي ؟

الجواب نعم

ورد ذكر ملك اليمين في القرآن الكريم في آيات كثيرة تقرر بل وتقر وجوده كواقع اجتماعي معروف .

ولكنه ينظم هذه العلاقة في إطارها الصحيح الذي يحفظ كرامة الإنسان .

وكثيرا ما تجد آيات قرآنية يتردد فيها :

وما ملكت يمينك ، وما ملكت أيمانكم

ولولا الإطالة أكثر مما ينبغي لأوردت الكثير من الآيات في ذلك ولكني أشير إلى موضع بعضها :

ورد ذلك في سورة الأحزاب وفي سورة النساء وفي سورة النور وفي سورة المؤمنون ،

وكلها تقرر ولا تستنكر بل توجه وتضبط .

وقد يسأل سائل :

لماذا لم يحرم الله ملك اليمين في الإسلام ؟

نجد جواب هذا السؤال في تحريم الخمر .

كلاهما كان واقعا اجتماعيا تعارف الناس عليه بل كان الخمر من مفاخرهم .

وتحريم هذا وذاك دفعة واحدة سيصطدم لا ريب بمجتمع أصبح الخمر وملك اليمين من مكونات نسيجه الإجتماعي .

فكان تحريم الخمر بالتدريج ،

وفتح باب تحرير الرقاب وحث عليه كما ذكرنا .

والله سبحانه وتعالى يعلم ما هو آت في علم الغيب ويعلم أن سيأتي يوم تندثر فيه ظاهرة

ملك اليمين بتطور الحياة والنظم الإجتماعية دون

إحداث هذه الهزة فجأة في مجتمع كانت من اساسيات بنائه الإجتماعي .

وقد قرأنا وسمعنا عن الحرب الأهلية في أمريكا

بسبب تمرد بعض الولايات على قانون تحرير العبيد .

وبعد ،

لقد اندثرت ظاهرة الرقيق والإماء بتقدم الأمم وتطور الحضارة كظاهرة عالمية ولكننا لا نزال نسمع عن الرقيق الأبيض ،

وما الرق وعبودية البشر للبشر في أمريكا عنا ببعيدة ،

ومن يقرأ عن تاريخ الرق وسرقة أطفال إفريقيا

واستعبادهم يرى صورا مقززة عن وحشية الإنسان الغربي بما تأباه الوحوش نفسها .

ومن أبشع وأقذر صور الانحطاط إلى ما دون البهيمية أن كان السيد الأمريكي يطأ الفتاة الإفريقية فتنجب له ولدا يصبح عبدا كسائر العبيد

يسومه سوء العذاب وكأنه حيوان وليس بشرا من صلبه .

ويأتي من يتقول عن ملك اليمين في الإسلام .

لعلي قد أمطت اللثام عما يحيط بهذا الموضوع

من غشاوة وكشفت ما يحاك من شبهات حوله عن قصد أو عن قصد .

والله من وراء القصد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى