“ليالي اللغة العربية ” – حوار مع الأستاذة الدكتورة نجوى صابر أستاذ النقد والبلاغة في آداب الإسكندرية


الفكرة جاءتني من أربع سنوات ونص السنة عندما طلب مني بعض الطلاب الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية فطلبت منهم أن يعطوني أفكارا وسألتهم : كيف ترون الاحتفال باللغة العربية؟ فمنهم من اقترح كتابة خطبة تمجد اللغة العربية وتتحدث عن عناصر البقاء في اللغة العربية ، وبعضهم اقترح تقديم بعض القصائد الشعرية والآخر اقترح عمل “فوازير” باللغة العربية … أشياء مكررة أو ” مهروسة” بالعامية وشعرت أننا سنقدم حفل تأبين للغة العربية وبكائية على اللبن المسكوب فخطرت ببالي فكرة أننا بدلا من أن نتكلم عن اللغة العربية نقّم اللغة العربية .. وهكذا بدأت الفكرة تتفاعل في ذهني رويدا رويدا حتى قررت عمل ما يشبه الأمسية الشعرية ولكن بطريقة جديدة بحيث نقدم القصائد الشعرية بمصاحبة الموسيقى ولا يكون هناك ” مقدما” للفقرات وإنما نجعلها تنساب انسيابا دون مقدم ثم أردت أن أضيف لمسة جاذبة للجمهور عن طريق القيام بتقديم وصلات غنائية وأن تكون هذه الأغنيات وهي باللغة العربية الفصحى ، تلك التي عاشت في وجدان الناس مدة طويلة وأحبوها ولا يزالون يفعلون وتكون جاذبة بموسيقاها وكان اختيار المسمى مع أول ليلة أيضا مدروسا فقلنا : أمسيات كلا ، ملتقى كلا واستقر الأمر على تسميتها بـ ” ليالي اللغة العربية “.
وبعد ذلك قلنا لنجرب حظنا مع التمثيل ؛ فاخترت مشهدا من مسرحية مجنون ليلى لأحمد شوقي واخترت جزءا صغيرا وقام بعض طلابي بتمثيل المشهد فيما يشبه الحركة العادية وكانت هذه هي البداية .

الهدف هو جذب الجمهور لإدراك أنهم يستطيعون قضاء وقت جميل وممتع وغيرممل وهم يستمعون إلى اللغة العربية سواء أكانت مُغناه أو شعرية ، وفوجئنا بأن الحفلة الأولى لاقت نجاحا قبولا كبيرا وكنا قد قدمناها في مركز الحرية للإبداع الذي امتلأ مسرحه بالكامل وهذا شجعني على الرغبة في أن أعلو بالليالي وأغير من سياستها وأقدمها في ثوب أنيق جدا فقررت أن أطرق باب مكتبة الإسكندرية ودار الأوبرا المصرية .

العقبة الأولى أننا كنا غير معروفين بالمرة فلما تواصلنا معهم لو يكونوا يعرفون عنا شيئا .

ولو .. الأكاديميون لهم مسارح الجامعة ومسرح الجامعة المتاح صغير جدا والأهم من هذا أن ما أسعى إليه هو ربط اللغة العربية بالناس وبعرضها في أرقى الأماكن التي تليق بها وبقيمتها العريقة ؛ ومن ثم توجهت لمكتبة الإسكندرية وعرضت عليهم الفكرة وأنها تمثل مشروعا يراه أمثالي قوميا يستهدف الحفاظ على لغتنا الفصيحة وليست الفصحى فالأخيرة بحاجة إلى قدرات عالية جدا وأن ندفع عنها ماينالها من ظلم واعتداء سواء من اللغات الأجنبية أو من اللهجة العامية ، ومن حسن الحظ ولأنه توفيق من الله وجدت أذنا مُصغية حيث كانت نائبة مدير المكتبة في ذلك الوقت الأستاذة هدى ميقاتي التي رحبت بي وطلبت مني بعض الإجراءات التي تسمح لي بالعرض في المسرح الكبير للمكتبة بالمجان وبالفعل تمت الإجراءات وهكذا قدمنا الليلة الثانية على مسرح مكتبة الإسكندرية.

الجمهور في هذه الليلة كان عدد الجمهور أكثر من ألف وكانت ناجحة جدا، وجمهور متنوع من الشارع كما نقول وهذا هو المستهدف ، وكنا نعرف ببعضنا البعض ولكن ليستمر هذا العرض المحترم نحن بحاجة لميزانية كبيرة فذهبت لمقابلة الدكتور ياسر نبيل نائب رئيس الجامعة في ذلك الوقت وعرضت عليه الأمر فتحمّس مشكورا ووضحت له أن الصعوبة تكمن في ضرورة توفير فرقة موسيقية وقد كان ..
ومن وصولي لمكتبة الإسكندرية استطعت أن أصل لدار الأوبرا المصرية واليوم بعد هذا المشوار لم أعد أجد صعوبة في دخول مسرح مكتبة الإسكندرية أو دار الأوبرا لإقامة أي ليلة من الليالي .

الصعوبة الحقيقية التي تواجهنا حتى قبل صعوبة التمويل هي عدم التزام المؤدين على اختلافهم كأساتذة وطلاب وهواة ؛ فالصعب جدا هو القدرة على ضبط مواعيدهم مع بعضهم البعض لأداء ” البروفات”.

في المرة الأولى كان أشبه بالأمسية الشعرية وفي المرة الثانية كانت أشبه بالأمسية الشعرية وبعد ذلك بدأنا نتحرر من هذا الثوب الواحد ونقدم ما يشبه ” الاسكتشات الصغيرة ” أو أوبريتات مع القصائد ونحاول إقامة جسر للربط بين الفقرات بعضها ببعض ، وقد قدمنا ليلة أسميناها ” من أم الدنيا مصر إلى أرض السلام فلسطين” وقد كانت في فترة السابع من أكتوبر وكانت وطنية كاملة بالقصائد وكنا نتزيّا بالأسود والكوفية الفلسطينية فكان كل شيء فيها مرتبط ببعضه البعض وكنت أرتدي علم مصر أم الدنيا. وبعد هذه الليلة أخذت الليالي خطا مختلفا إلى حدّ ما فبدأنا نقدم مسرحيات متكاملة بموضوع واحد يربط الليلة من الألف إلى الياء فكانت الليلة الأندلسية ” الأندلس ربيع مؤجل” وكل ليلة بها نقطة معينة ورسالة أريد أن أصل بها إلى الشباب فمثلا هذه الليلة تذكر ببطولات العرب والمسلمين في الأندلس وكيف أن الفتن والخيانات هي التي أودت بهم . وكنا بدأنا العرض بشعر لفاروق جويدة :
من ألف عام أو يزيد
كانت بأندلس حضارة
كانت بها أحلام شعب
كان يعرف ما يريد
ويتخلل مشاهد المسرحية أغنيات واستعراضات راقصة معبرة عن الأندلس من الألف إلى الياء وقد وثقنا ذلك في مواقع التواصل المختلفة ، وقد تصادف أن الجمهور أعجب كثيرا بما قدمنا وحصلنا على دعم رئيس الجامعة آنذاك الدكتور عبد العزيز قنصوة وقد أشاد بها كثيرا بل وأعاد تقديم هذه الليلة مرتين بل وكانت إحداهن على هامش مؤتمر فدعا لها الضيوف لحضورها وأصبحت أنظار المسؤولين تتجه إلى ليالي اللغة العربية وما تقدمه وكان سعيدا بنا جدا ، واحتفل بنا احتفالا رائعا لن أنساه ماحييت في أغسطس 2024م في مجلس الجامعة وطلب مني أن أختار أربعة وأنا الخامسة ليتم تكريمنا في مجلس الجامعة أمام جميع العمداء ففوجئت بالدكتور قنصوة وهو يطلب من المجلس الوقوف والتصفيق لليالي اللغة العربية أثناء دخولنا وذكر أنه نشاط رائع وجميل ولا يعرف كيف يُكافىء هذه المجموعة ومُنحنا شهادات تقدير وميداليات وهدايا تذكارية .. وقد أعدنا هذه الليلة لمرة رابعة في دار الأوبرا المصرية العريقة وطلبتنا جامعة مصر الدولية في السادس من أكتوبر لتقديم هذه الليلة على مسرح أوبرا السادس من أكتوبر.

أي نعم ومن ثمّ فكرت في تقديم مسرحية ” كيلوبترا”

كنت في المسرحية الأولى قدمت السمت أو الطابع الإسلامية ولكن هذا لم يكفهم لإردت أن أعطيهم شيئا آخر لكن ليس إسلاميا ؛ فقد اقترح البعض تقديم شجرة الدر فقلت لهم : كلا ، لنخرج تماما من دائرة الإسلامي ونقدم تاريخا فرعونيا قديما وبخاصة أنني أردت أن أقول بعض الأشياء للجمهور من خلال ” كيلوبترا” أهمها أن مصر لا تخضع وأن من يتجرأ عليها تنهيه في بوتقتها ؛ فكيلوبترا امرأة هيلينية جاءت مصر فتزيت بالزي الفرعوني وأحبت شعب مصر وأحبها هو بدوره ولما غزا أوكتافيوس مصر انتحرت فداء لمصر حتى لا تقع وهي رمز مصرفي أسر أوكتافيوس وحتى لا توضع داخل القفص ويقوم بإذلالها.

الليلة المحمدية مثلا اشترك فيها 30 شخص ، فيها ثماني حكايات وكل حكاية تمثل قصة وجميع كليات الجامعة اشتركت معي فيها وكذلك العديد من الأستاذة وفريق جيد جدا وهناك الدكتور محمد مخيمر وهناك الدكتورة شريهان قائدة الكورال وقد رشحتها لي أول مرة الدكتورة سحر شريف وقد اقترحت علي أن نطلب من كلية التربية النوعية الكورال الخاص بهم للعمل معنا في هذا النشاط فتواصلت مع الدكتورة شريهان وكانت البداية متواضعة جدا فكان لا بد لنا من وجود فرقة كاملة وهذا من ضمن العوائق وهناك نقطة أخرى لما تطور الأمر أصبحت الدكتورة شريهان تقدم كورال الجامعة وهو فريق مدرب لدخول المسابقات وأصواتهم رائعة ، أما الدكتور محمد مخيمر فهو شاعر محب للأدب وأهله وخدوم جدا وأبلى معنا بلاء حسنا جدا ونسق لنا العرض تنسيقا طيبا ، وقدم إلى جانب أحمد شوقي نص بديل لأن نص أحمد شوقي به الكثير من المفردات الصعبة على فهم الجمهور بدون الإخلال.

قلت للدكتور محمد : أريد عمل ليلة إسلامية ، فقال لي : ليلة محمدية ؟ فقلت له : محمدية وليست محمدية ، لست أريد التطرق للسيرة النبوية ، ولا تقديم مدائح كما اعتدنا ، أريد أن أصدم الجمهور ، أريد قصصا لأناس عاشوا مع سيدنا الرسول ونخرج منها قيم الشجاعة والوفاء والإخلاص والبر بالوالدين فنحن نعيش في زمن مليء بالعقوق وتركت له أمر صياغتها واقترحت عليه أخت الرسول صلى الله عليه وسلم الشيماء ، وبئرسيدنا عثمان وقصة ابنته زينب رضي الله عن الجميع وأضاف الدكتور مخيمر خمس قصص أخرى ، ووضعت هذا العنوان ووضعت له شرطا : لا بد أن تدفع الجمهور للبكاء والتأثر فسألني : كيف أعرف ؟قلت له : سأعرف عندما أقرأ لو نجحت في جعلي أبكي سيبكون وبالفعل حدث ما تمنيناه وكانت ليلة من ليالي شهر رمضان الكريم ، ولا أنسى ما أنسى رؤيتي للشباب وهم يتساءلون : دكتورة هوا دينا حلو كده؟ فأي نجاح قد يتمناه المرء بعد هذا ، ثم يقول آخر: هو سيدنا النبي سمح لابنته أن تحب؟ ولم يعترض عليها ولم يرفض أن تجير زوجها الكافر، فقلت له : نعم فللمرأة صوتها وحقها ولكنه عرفها بحدود دينها أيضا .
وهذه الليلة ستقدم مرة أخرى في الثالث من سبتمبرعلى مسرح مكتبة الإسكندرية وهذه دعوة مفتوحة للجميع ويليها قريبا ليلة عن أميرة الشعر والوفاء الدكتورة سعاد الصباح في السادس من نوفمبر على مسرح دار الأوبرا.

سؤال جميل جدا ، ربما تعلمين أو لا لقد قمت بعمل ليلتين خاصتين بالأطفال دون غيرهم

إحداهن عن حب مصر والأخرى كان بها من كل شيء من شأنه أن يستقطب هذه الفئة العمرية وكان عملا جميلا ونبيلا ولكن مشكلة المشاكل المتعلقة بالتمويل أوقفت كل شيء . طبعا الأفكار كثيرة والأشعار كثيرة والمشاركين كثر لكن كل ما يعرقل مسيرتنا هو التمويل؛ ولهذا قدمت طلبا باسم الجامعة لدعم المشروع وأرجو أن يلاقي قبولا ؛ لأنني أحب اللغة العربية وأحب دعمها جدا فالأمر متعلق بالهوية ، من أنت؟ ومن أين جئت؟ كل بلاد العالم تعتز بلغتها بينما نحن نتعالى عليها ونزدريها ونربي أبناءنا على كرهها ، ورأيي الذي لا أقبل التنازل عنه هو أن أصل المشكلة تبدأ من البيت ، من الأم ومن الأب إذ لا بد للأم أن تزرع في عقول أبنائها حب لغته واعتزازه بهويته بدلا من كره النحو مثلا والتعالي على علوم اللغة ، فلابد لنا من تحفيز الاستعداد الفطري لدى أبنائنا تماما كما نفعل ونحن نعلمهم الصلاة مثلا . اللغة هي ثاقفتنا ، هويتنا ، وعاؤنا الذي يحمل مذخور التاريخ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى