رجال في الإسلام : عبد الله بن عمر بن الخطاب
رجال في الإسلام : عبد الله بن عمربن الخطاب
مدحت رحال
المثابر الأواب
ثالث العبادلة : عبد الله بن عمر
عبد الله بن عباس
عبد الله بن عمرو بن العاص
وقبل أن نتعرف على عبدلنا المقصود ،
نتساءل :
لماذا لم يضم المؤرخون / عبد الله بن الزبير
إلى قائمة العبادلة ؟
وهو المعروف بزهده وورعه ،
وهو ابن حواري رسول الله / الزبير بن العوام ؟
ذلك أن العبادلة الثلاثة فضلا عن زهدهم وورعهم ، فقد ألقوا الدنيا وراء ظهورهم ،
أما ابن الزبير فرغم زهده وورعه ،
فقد تشوفت نفسه للإمارة والخلافة ، ونال حظا منها ،
لولا أن الأقدار كان لها راي آخر ،
نعود إلى ( عبدلنا ) ،
إنه / عبد الله بن عمر بن الخطاب ،
ولا بد لنا أمام هذين الإسمين من أن نقف وقفة إجلال وإكبار ،
فأما أحدهما فقد صنع التاريخ
وأم الآخر ، فقد رفض التاريخ ، فصنعه التاريخ
بدأت علاقته بالإسلام وبالرسول ، وهو في الثالثة عشر من عمره ،
حين صحب أباه إلى غزوة / بدر ، لولا أنْ رده الرسول عليه الصلاة والسلام لصغر سنه ،
لقد تعلم من أبيه خيرا كثيرا .. وتعلم مع أبيه من رسول الله الخير كله والعظمة كلها .
كان رسول الله قدوته ، يحاكيه في دقة وإخبات :
هنا صلى رسول الله ، وهنا دعا ، وهنا وقفت ناقته ، وهنا وهنا
وفي كل موقع كان ابن عمر يفعل ما فعل الرسول عليه السلام ،
بل كان يتنسم مواضع سير ناقة الرسول فيسير على أثرها ويقول :
( لعل خفا يقع على خف )
من هذا التحري الوثيق لخطى الرسول وسنته ، كان ابن عمر يتهيب الحديث عن رسول الله ، ولا يروي الحديث إلا إذا كان
ذاكرا حروفه حرفا حرفا ،
وكان شديد الحذر في الفتيا ،
جاءه يوما سائل يستفتيه فأجابه قائلا :
( لا علم لي بما تسأل عنه )
ثم يفرك كفيه جذلا ويقول لنفسه :
( سئل ابن عمر عما لا يعلم ، فقال لا أعلم )
لقد منعه ورعه وتقواه أن يتقلد منصب القضاء ، وكان من أرفع مناصب الدولة ،
وقد ألح عليه الخليفة / عثمان ، وطلب إليه أن يشغل منصب القضاء فاعتذر وأصر على اعتذاره ،
سمع رسول الله يقول :
( نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل فيكثر )
فإذا هو أخو الليل قائما ، وصديق السحر مستغفرا
كان الجود أحد فضائل ابن عمر ، يعطي الكثير ويعطي الطيب ،
جاءه يوما أربعة آلاف درهم وقطيفة ، فوزعها على الفقراء ، وشوهد في اليوم التالي يشتري علفا لراحلته نسيئة ، أي دَينا ،
فقد كان المال خادما بين يديه لا سيدا ،
أهداه يوما صديق دواء يهضم الطعام ،
تبسم ابن عمر وقال : يهضم الطعام ؟!!
إني لم أشبع من طعام منذ أربعين عاما !!
لم يكن ذلك عن فقر او بخل ، بل زهدا وورعا ، ومحاولة التأسي برسوله وبأبيه ،
لم يطلب الدنيا ولم يزاحم عليها ،
بل كانت هي تطارده فيعرض عنها ،
فقد عُرض عليه منصب الخلافة مرات ، وهُدد بالقتل إن لم يقبل ، فرفضه وأعرض عنه ،
عُرض عليه يوم قُتل عثمان ،
وعُرض عليه يوم ترك ( معاوية بن يزيد ) الخلافة ،
حتى لقد جابهه أحدهم قائلا :
ما رأيت أشر على المسلمين منك ،
قال له : ولم يا أخي ؟
قال : ترى ما ترى من حال المسلمين ، وتأبى أن تتولى أمرهم وتصلح حالهم ،
ولو شئت ما اختلف عليك اثنان ،
قال له : والله إني لا أرضاها ويراق في سبيلها ملء محجمٍ دما
هذا الإعراض لم يكن ليمنع ابن عمر من أن يرفع صوته عاليا بكلمة الحق ،
فقد صرخ في وجه الحجاج وقال له كذبت ، إنك سفيه مسلط ، حين نال الحجاج من ابن الزبير في خطبته بعد مقتل ابن الزبير
وقد حرص كل الحرص على أن ينأى بنفسه عن الفتنة ،
وقد وقف موقف الحياد في القتال بين على ومعاوية ،
وقد كان قلبه مع علي ، بل ويقينه أيضا ،
فقد روي عنه أنه قال في آخر أيامه :
( ما أجدني آسى على شيء فاتني إلا أني لم أقاتل مع علي ، الفئة الباغية )
عاش ابن عمر نيفا وثمانين عاما ،
وصفه معاصروه فقالوا :
( مات ابن عمر وهو مثل عمر في الفضل )
بل قالوا :
( كان عمر في زمان له فيه نظراء ، وكان ابن عمر في زمان ليس له فيه نظير )
وهي مبالغة يغفرها استحقاق ابن عمر لها ،
أما عمر ، فلا يقارن بمثله أحد
وهيهات أن يكون له في كل العصور نظير ،
وفي العام الثالث والسبعين للهجرة ،
أبحرت إحدى سفن الأبدية تحمل جثمان ثاني اثنين من آخر ممثلي أيام الوحي :
عبد الله بن عمر بن الخطاب ،
أما الآخر فهو ( أنس بن مالك )
رضي الله عنهم أجمعين ،،،