هل تصنع الحرارةُ الاستبداد؟ أم يصنعه السياسيون؟
هل تصنع الحرارةُ الاستبداد؟ أم يصنعه السياسيون؟
بقلم: عبد المجيد عبوبي
ليست الحرارة قدراً يكتب على الشعوب الخضوع، ولا البرودة وصفةً جاهزة للحرية. غير أن المناخ يؤثر في السياسة حين يضغط على الماء والغذاء والعمل والصحة؛ فالمجتمع الذي يعيش تحت الجفاف والحرارة وندرة الموارد يحتاج إلى دولة قوية، وقد تتحول هذه الحاجة إلى مركزية مفرطة إذا احتكرت السلطة الماء والثروة والقرار.
لقد فهم ابن خلدون أن البيئة لا تعمل منفردة، بل تتفاعل مع العمران والعصبية والاقتصاد. أما مونتسكيو فربط المناخ والعادات بشكل القوانين والحكم، لكنه جعل الحرية رهينةً بتوازن السلطات لا بدرجة الحرارة. ومن هنا تبدأ المشكلة: حين يُستعمل المناخ لتفسير ضعف الشعوب، ويُعفى الاستبداد وسوء التدبير من المسؤولية.
فالحرارة قد تُتعب الجسد وتضعف التركيز، لكنها لا تمنع بناء المدارس والمستشفيات والمؤسسات الديمقراطية. والدليل أن المجتمعات الحارة عرفت حضارات عظيمة، وأن الفارق بين الدول لا تصنعه الطبيعة وحدها، بل تصنعه طريقة إدارة الطبيعة وتوزيع الثروة وحماية الحقوق.
إن السؤال السياسي الحقيقي ليس: لماذا شعوب الجنوب أقل حرية؟ بل: من حوّل المناخ إلى ذريعة، والماء إلى سلطة، والثروة إلى امتياز؟
المناخ يفرض تحديات، أما الاستبداد فاختيار سياسي.