الإخراج الفني في النص القرآني : “حياة موسى” على شاشة القرآن.. ( 32 ).. في موسى ورسالته – 20

م. مجدي سالم

يلاحظ القاريء أن المشاهد في القرآن تعنى ببيان المشاهد النهارية والمشاهد الليلية.. فالمشاهد في سورة القصص كلها نهارية.. بعضها في الصباح الباكر حين أصبح موسى خائفا يترقب.. والآخر في منتصف النهار في مشاهد الصراع بين المصريين ومن هم من شيعة موسى.. وترك القرآن للقاريء تصور ترحال موسى بأهله من مدين عائدا إلى مصر زمانا ومكانا.. ثم هذا المشهد الليلي الذي جاء مفصلا أيضا في تحديد مواقع الأحداث وكذلك بيان فضل كل مكان على الآخر.. وفصل حوار موسى مع أهله قبل أن ينطلق ليعاين المكان الذي ظن أن فيه النار.. كما فصل الحوار الذي دار بين رب العزة والجلال وبين سيدنا موسى عليه السلام..
فالله قد كلف موسى بالرسالة وبالجهاد في سبيل الله هنا.. في هذا الزمان وهذه المواضع.. كل شيء تسمه الأهمية البالغة.. وكل لفظة تحمل تاريخا وتحمل شريعة وتشريعا..

نستمر.. فنقدم السيناريو أولا.. برواية الأحداث والحوار من الآيات الكريمة.. دون تعليق منا..

  • وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ..
    ….. فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ…..
  • يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ (31) ..
  • اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ..
  • وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ.. فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ.. إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32) ..
  • قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) .. وَأَخِي هَارُونُ – هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا -فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي.. إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34) ..
  • قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ.. وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا.. بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35) ..

قد يظن العض أن هذا المشهد قد تكرر في القرآن.. لكن الحقيقة أنك تفهم من اختلاف ألفاظ الحوار أولا أن الراوي هو رب العالمين.. يقص الموقف كيفما يشاء.. يضيف تفاصيل لم تأت من قبل.. ويترك أخرى.. فتكتمل الحركة في السيناريو من جهة.. ولا يمل القاريء من جهة أخرى..فنحن نرى وصفا لتحول عصا موسى.. ولم يقل هنا أنها تحولت إلى حية أو الثعبان.. بل قال أنها راحت تهتز بسرعة فائقة.. كأنها جان.. ولإننا لا نعرف اهتزاز الجان فلابد أن كل قاريء سيتخيل أسوأ وأكبر اهتزاز يعرفه.. هذا هو القرآن والمخرج العظيم..
يقول المفسرون أن تحول العصا لم يكن دائما بنفس الكيفية ولا نفس الحجم.. أن العصا تحولت إلى ثعبان مهول راح ضحيته أناس كثر.. حين ألقى موسى عصاه أمام فرعون في المرة الأولى التي التقيا فيها.. وأن العصا ذاتها هي التي التقمت عصي وأحبال السحرة بهدوء وإعجاز وهو ما ألقى بالسحرة على وجوههم ساجدين..
طار صواب موسى وولى هاربا من هول المنظر.. ولم ينظر حتى خلفه أو يحاول أن يعود إلى عصاه.. وهي مرحلة قبل الهدوء النسبي الذي ساد الوصف في سورة طه.. لنفس الموقف..

  • ” وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) .؟
  • قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى (18) ..
  • قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) ….. فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) ……
  • قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) “..

لكن الثابت أن الله طمأن موسى كما ذكرت سور طه والقصص والنمل.. فعاد أدراجه..
تقول سورة النمل الآية 10 ” وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ .. فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ ..

  • يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ”..
    .. إن الرسل والأنبياء آمنين لدى الله… .. هكذا تتكامل آيات القرآن.. وهكذا إخراج المشاهد..
    ثم حدثت معجزة أخرى ليد موسى.. يقول التفسير الميسر: أن يا موسى أدخل يدك في فتحة قميصك وأخرجها تخرج بيضاء كالثلج مِن غير مرض ولا برص.. واضمم إليك يدك لتأمن من الخوف.. فهاتان المعجزتان اللتان أريتُكَهما يا موسى: مِن تحوُّل العصا حية.. وجَعْلِ يدك بيضاء تلمع من غير مرض ولا برص.. أو آيتان من ربك إلى فرعون وأشراف قومه. إن فرعون وملئه كانوا قومًا كافرين..

لاحظ أن سورة القصص لم تذكر ماذا كان موسى سيطلب من فرعون وملئه.. ولو أن هذا لم يرد في سورة طه لما عرفنا ماذا كان.. وسترد مطالب موسى بتفصيل أكثر وبمفردات أخرى في سور أخرى.. فموسى وهارون قالا لفرعون في سورة طه..
” فَأْتِيَاهُ….

  • فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ.. فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ.. قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ.. وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47)”..

كما أن سورتي طه والقصص لم توردا دعوة موسى لفرعون بالإيمان بالله والإقلاع عن إدعاء الألوهية.. تقول سورة النازعات (15 – 26)..

” هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16)..

  • اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) ..
  • فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19)
    ….. فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) ..
  • فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) ..
    ….. فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26)”….

(سنأتي على “حياة موسى” في سورة النازعات في ترتيبها إن شاء الله) ..

ولا يخفي موسى خشيته أن يتخذ فرعون من “القتل الخطأ” ذريعة فيصدر الأمر بقتله.. وقد مر عليها كذلك أكثر من عشر سنوات قضاها وكأنه كا منفيا بعيدا عن مصر.. وإن جاء النفي طوعا..
ويدعو موسى ربه أن يرسل معه أخاه هارون ليكون له خير سند بحكم أخوته.. كما أن هارون يمتاز بالفصاحة أكثر من موسى.. وانظر إلى بناء المخرج العظيم للشخصيات.. وقيل أن موسى كان قد لحق لسانه أذى في طفولته.. وكان فرعون يعيره بها لكسب تعاطف الجمع معه..
يقول فرعون في سورة الزخرف – الآية 52 “أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ”..
وكان منطقيا أن فرعون سيكذب موسى وهارون قساقها موسى سببا ليستعطف ربه فيرسل معه هارون ظهرا وسندا ومصدقا.. فاستجاب الله له..
قال الله أنه سيرسل معه هارون.. وسيساندهما بقوته وتدبيره.. وجعل لهما سلطانا حمية وهيبة فلا تستطيع أي يد أن تصل إليهما.. وهو ما يفسر المواقف القوية التي أخذها موسى في بلاط فرعون .. إن سورة القصص تضيف وتنفرد ببيان وعد الله لموسى وهارون ومن سيكون معهما لالغلبة والنصر دوما.. وجعل من معجزاته تأييدا ماديا ومعنويا لهم..
هكذا عاد موسى إلى أهله بتكليف عظيم من رب العالمين.. ذهب ليأتي بجذوة من النار فعاد برسالة إلى فرعون وملئه وإلى العالمين.. يترك القرآن لفطنة القاريء ماذا قال موسى لزوجته.. وكيف وصل إلى مصر وكيف لحق بأخيه وبقومه.. وماذا قال موسى لهارون وقد عاد يحمله مسئوليات جسام.. فقد صار هارون نبيا بدعوة أخيه.. إنها الحادث المفصلية في القصة..

أراكم في حلقة قادمة إن شاء الله..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى