مقال رأي : بين الشعر والقرآن


قبل القرآن، لم يكن الشعر العربي ترفاً لغوياً، بل كان كائناً وجودياً: لسان القبيلة، وذاكرتها، وسيفها، وقبر موتاها. كان الشاعر يصنع المجد بالكلمات، ويقاوم الموت بأن يترك اسمه معلقاً في أفواه الناس. لكنه كان، في الغالب، أسير العصبية؛ يمجّد قبيلته ولو ظلمت، ويحوّل الدم والنسب إلى حقائق مقدسة.
ثم جاء القرآن، فلم ينافس الشعر في بحوره ولا في قوافيه، بل هزّ سلطته من جذورها. جاء بلغة لا تشبه الشعر ولا النثر، وأعاد تعريف الجمال والحقيقة والإنسان. لم يعد الكلام جميلاً لأنه بليغ فقط، بل لأنه مسؤول؛ ولم تعد الكلمة تاجاً للشاعر، بل صارت امتحاناً لضميره.
لم يُلغِ القرآن الشعر، لكنه نزع عنه حصانة العصبية، وفتح أمامه أفقاً أوسع من القبيلة: أفق التوحيد، والعدل، والمصير. فبقيت القصيدة في شكلها، لكن روحها بدأت تتحول؛ من تمجيد النسب إلى مساءلة الوجود، ومن طلب الخلود في الذاكرة إلى البحث عن معنى الحياة والموت.
غير أن التوتر الحقيقي ظهر مع الشعر الصوفي. عند الحلاج أصبحت الكلمة مخاطرة، وعند ابن عربي صار الوجود كله تجلياً، وعند دانتي تحولت القصيدة إلى رحلة في الجحيم والمطهر والفردوس. هنا لم يعد الشعر تابعاً للمقدس ولا خصماً له؛ صار يحاول الاقتراب من المطلق، وكلما اقترب ازداد غموضاً واحتراقاً.
لقد قيد الدين بعض الشعر، نعم؛ لكنه حرره أيضاً من عبودية القبيلة والغرور والضجيج. منعه من أن يكون بوقاً للدم، وسمح له أن يصبح صوتاً للروح. ولذلك فالمسألة ليست: هل انتصر القرآن على الشعر؟ بل: أيّ شعر استطاع أن ينجو بعد أن صار مطالباً بالحقيقة؟
إن القرآن لم يقتل الشعر، بل قتل وهم أن كل كلام جميل هو حق. أما الشعر الصوفي، فقد ذهب أبعد من ذلك: جعل الكلمة تقف على حافة الهاوية، حيث لا يعود الشاعر مالكاً للمعنى، بل يصبح المعنى هو الذي يكشف عجزه.
قبل القرآن كان الشعر يصنع الخلود، وبعده صار مطالباً بأن يستحقه؛ وحين لامس التصوف، اكتشف أن أقرب الكلمات إلى الله هي أكثرها عرضة للاحتراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى