الإخراج الفني في النص القرآني : “حياة موسى” على شاشة القرآن.. ( 34 ).. في موسى ورسالته – 22

المشاهد المحورية.. موسى يعبر البحر.. وفرعون يغرق.. من تسجيلات سورة القصص..

نستمر.. فنقدم السيناريو أولا.. برواية الأحداث والحوار من الآيات الكريمة.. دون تعليق منا..

استهلت سورة القصص بخبر عظيم.. إن أصدق القائلين رب العالمين سيضمن هذه السورة جزءا كبيرا من قصة موسى مع فرعون.. وكما قدمت سورة يوسف (أحسن القصص).. فإن سورة القصص ستقدم أكثر قصص القرآن تفصيلا.. اقرأ:
”نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3)”..

نتوقف روية ونحن على وشك أن نغادر ما كان في مدين بالكلية.. وقد عاد إليها القرآن في الآية (44-45) من سورة القصص:

” وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴿٤٤﴾ وَلَـٰكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَـٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴿٤٥﴾ ”..

إن الله يخاطب نبينا صلى الله عليه وسلم هنا ويشهد القاريء والدارس.. فالله يقص عليه لمواقف ويفصلها.. سواء ماكان في البقعة المقدسة حين كلف الله موسى بالرسالة.. أو ما كان قبلها في مدين.. وما كان نبي الله ليعرف كل هذا وبهذه الكيفية لولا أن قصها الله عليه.. هذا من جهة..

ولكن الآيات تثير تساؤلا.. هل كان موسى عليه الصلاة والسلام يدعو إلى الله وهو مقيم في مدين.؟ وإلا فلمذا استشهد القرآن بالدعوة إلى الله هناك.. خاصة ونحن بصدد استقراء جزء من حياة موسى فيها.؟

وقد يقول آخر أن موسى لم يكلف بالرسالة والدعوة إلى الله قبل التكليف الذي جاء في الطور.. لكن المؤكد أن موسى قد عرف ربه من صباه.. وتاب إلى الله من فعلته يوم وخذ المصري فقضى عليه.. وكان يعرف ربه يوم اتجه إلى ربه وناجاه أنه إلى ما أنزل إليه من خير فقير.. فهو نبي مذ كان رضيعا كما بشر الله أمه.. .. إنه القرآن المتجدد الذي يبعث على البحث في تفاصيل السيناريو الكريم إلى قيام الساعة..

لاحظ أن القرآن العزيز يستخدم أسلوبا تقريريا في إقامة الحجة على الكافرين بالله وبرسوله..

إنه يذكر النبي صلى الله عليه وسلم بحدث.. قد روى القرآن تفاصيله.. زمانه ومكانه وأبطاله.. ثم يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم.. أنه لو لم تكن نبيا مرسلا.. فمن أين لك بمعرفة هذا أو ذاك الموقف الذي جرى في المكان كذا.. وفي الزمان كذا.. كيف تأتي به بينما لم تكن أنت موجودا في هذا المكان ولا في هذا الزمان.. مثال ذلك قول القرآن في سورة آل عمران.. يحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن قصة سيدنا زكريا عليه الصلاة والسلام مع مريم:

” ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)”..

والخطاب غير المباشر للمكذبين.. ألا يرون أنك تخبرهم بالماضي .. وبالحاضر.. وبالمستقبل.؟

…. فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ.. فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) ..

وتتجلى هنا روعة القرآن.. هذه نهاية فرعون وملئه وقد لخصتها وأجملتها في بضع كلمات بدا فيها فرعون وجنوده وكأنهم يقذفون في الماء.. هكذا بدا الحدث المعجز الهائل هينا وبسيطا.. وما أهونه على رب العالمين من عمل.. رغم أن سورة القصص وكاميراتها قد قدمت المشاهد الأسبق بالتفصيل الذي جسد الأحداث أمام كل دارس.. لكنها جاءت كاللقطة الومضة على الشاشة.. لكنها المعبرة عن مجمل الحدث.. هكذا ببساطة لكن بإعجاز هي نهاية الظلم والظالمين.. بهذه اتلمعجزة.. بهذه البساطة غرق فرعون وكل من تبعه..

…. وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ.. وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41) ..

….. وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً.. وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42)..

ثم ينتقل القرآن من الماضي وأحداثه.. إلى المستقبل.. إنهم يرونه بعيدا ويراه الله قريبا..

مشاهد تصور نفس الفريق وما سيكونوا عليه يوم القيامة.. إن فرعون ومن معه يقودون فرقا من الظالمين إلى النار.. يتقدمون الجموع إلى نهاية خالدة في النار.. فاليوم لا ناصر لهم..

وتعود كاميرات القصص إلى مشاهد إلى حيث عاشوا.. إن كل من ذكرهم مازال يلعنهم كما تلاحقهم لعنة الله.. كما أنهم من الملعونين المقبوحنن الملاحقين بالسباب في الأخرة..

مشاهد في شكل ومضات قصيرة تنطق باللعنات وتلاحقها أبصار المشاهدين.. فلا يبكي عليهم أحد.. والجمال اللغوي حيث كل الأفعال جاءت في صيغة الفعل الماضي.. فقد قضي الأمر.. وكل ما تفرأه ليس فيه إحتمال للغفران.. إنه مستقبل كأنه قد حدث وانتهى.. سبحان من هذا وصفه..

….. وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى.. بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً.. لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43) ..

….. وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ.. وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) ..

ولقد نادى الله موسى لميقاته.. لم تذكر هذا سورة القصص بل عرفناه من سور القرآن الأخرى.. ووهب الله موسى الكتاب في هذا الميقات.. أعطاه الله الألواح فعاد بها ثم ألقاها من شدة الغضب من اتخاذ بني إسرائيل العجل.. ثم عاد فأخذ الألواح لما سكت عنه الغضب.. عرفنا ذلك من سور القرآن أيضا.. لكن سورة القصص تعنى بالوقت الذي أعطى الله موسى فيه الكتاب.. بعد أن أهلك الظالمين.. فقد كانت الخطوة المنطقية غي القصة أنه قد آن الأوان لإن يكون لبني إسرائيل ميثاق يدير شئون حياتهم الجديدة في سيناء.. وفروض وسنن يتعبدون الله بها.. أراد الله بالألواح والوصايا والتوراة حتى لا يكون لبني إسرائيل حجة بعد النجاة ألا يكونوا من المهتدين.. فالفرقان هدى ورحمة لكنهم لا يهتدون.! ولا يتذكرون..

يختم القرآن الجزء من “حياة موسى” الذي جاءت به سورة القصص.. جاءت بمشاهد كالنبضات.. تأتي متقاطعة بين الأحداث بالتقديم والتأخير.. ثم تجمل العظة من الأحداث التي عرضتها من “حياة موسى”..

اقرأ من سورة القصص الآيات (45 – 51) ..

  1. شاهد بعينك إعحاز وميض الماضي ما نسميه بالفلاش باك.. في هلاك فرعون ومن قبله.. ظنوا أنفسهم خالدين

….. وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ……

  1. وتذكر الجهد الذي قام به للدعوة إلى الله في مدين رغم معاناة شظف العيش.. ربما كان جهد موسى عليه الصلاة والسلام.. ربما كان جهد الشيخ العبد الصالح.. ربما كان المقصود نبي الله شعيب..

إن الآية تذكر رسولنا صلى الله عليه وسلم بما بين يديه من كتاب.. وتذكر المنكرين بإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثهم بما كان في مدين وهو لم يطأها.. فالمقصود هنا إثبات أنه نبيا مرسلا ومكلفا.. يقص أنباء ما كان يعرفها ولا كانوا يعرفونها..

…. وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا.. وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45)” …..

  1. وها أنت تذكرهم يا رسول الله صلى الله عليك وسلم بما كان مع موسى عليه الصلاة والسلام بجوار الطور.. حين ناداه الله.. كيف وأنت لم تكن تعرف هذا ولا ذهبت أبدا إلى هناك.. لكنك تذكرهم بإنها كانت رسالة الله إلى نبيه موسى عليه الصلاة والسلام.. تماما كما أنها هي رسالة الله إليك.. فربما اهتدى هؤلاء وهؤلاء برحمة ربك ورفقه بهم.. يروي عليهم القصص ليقيم عليهم الحجة.. وحتى لا يقول احد ليتنا جاءتنا رسالة..

يقول تفسير السعدي: { وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ } فاندرس العلم.. ونسيت آياته.. فبعثناك في وقت اشتدت الحاجة إليك وإلى ما علمناك وأوحينا إليك. { وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا } أي: مقيما { فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا } أي: تعلمهم وتتعلم منهم.. حتى أخبرت بما أخبرت من شأن موسى في مدين..

{ وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } أي: ولكن ذلك الخبر الذي جئت به عن موسى.. أثر من آثار إرسالنا إياك.. وَوَحْيٌ لا سبيل لك إلى علمه.. بدون إرسالنا.. .. الآية..

…..” وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ – إِذْ نَادَيْنَا – وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ.. لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) .. وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)” ..

وانظر يا نبي الله.. صلاة الله وسلامه عليك.. كيف قصصت عليهم الغيب.. ماذا فعلوا وقالوا حين عرفوا وأيقنوا أنه الحق.. كيف عرفت يا محمد بما قالوا لموسى من قبل (إنه تآمر واتفاق من سحرة عليهم.؟ وأنهم بما آتاهم كافرين.؟)

…..” فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا.. قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى.. أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ.. قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48)” ..

فنحدى بني إسرائيل وتحدى المشركين وتحدى كل المكذبين أن يأتوا بمثل هذا القرآن..

…..” قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49) ..

…… فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ.. وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ .. إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)..

….. وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) “….

تشعر بالحزن حين يغلق الستار على الفصل من سورة القصص..

وتعود لتنتظر متى يعود القرآن ليروي بعضا من “حياة موسى”..

.. أراكم في حلقة قادمة إن شاء الله..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى