الإخراج الفني في النص القرآني..”حياة موسى” على شاشة القرآن.. ( 36 ).. في موسى ورسالته – 24

الإخراج الفني في النص القرآني..
“حياة موسى” على شاشة القرآن.. ( 36 ).. في موسى ورسالته – 24

نذكر أولا بقوله سبحانه في سورة السجدة “.. فلا تكن في مرية من لقاءه.. فنذكر بحديث الإسراء والمعراج.. حيث كان موسى في طليعة الأنبياء الذين صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد الأفصى.. أنه قد مر صلى الله عليه وسلم بقبره.. يقول النبي: أتيت -وفي رواية: مررت- على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر.. وهو قائم يصلي في قبره.. والراوي هو أنس بن مالك) ..

نستمر.. فنقدم السيناريو أولا.. برواية الأحداث والحوار من الآيات الكريمة.. دون تعليق منا..

المشهد الأول.. من سورة الصافات.. في موسى وهارون.. وقومهما..
اعتدنا أن نقدم وصفا لشخصيات قصصنا في مقدمة كل عمل فني.. وفي الكتابة للمسرح بشكل خاص.. وحجتنا في ذلك أن المتلقي يستطيع بذلك أن يتابع أبطال العمل بفكر مفتوح..
وفهم تركيب الشخصية يفسر ردود أفعالهم طوال العمل.. إلا أن الله سبحانه وتعالى يلقي الضوء في سورة الصافات على شخصية كل من موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام.. وله أن يفعل ما يشاء سبحانه.. وعلينا أن نحني الجباه ونتعلم.. لعلنا أن نكون من المهتدين..
اقرأ من سورة الصافات – الآيات (114- 122)..
….. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) ..
….. وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116) ……
….. وَآَتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (117) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (118) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآَخِرِينَ (119) .. سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120) .. إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ..
….. (121) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122) ….

يقدم القرآن الكريم ملخصا رائعا لحياة موسى وهارون.. يجمل القصة في بضع آيات.. تحمد الله سبحانه وتعالى في مطلعها أن من على موسى وهارون.. فقد كانا من عباده المؤمنين.. فكان الجزاء من رب العالمين أن نجاهما وقومهما من طغيان فرعون وملأه.. ونجاهما من الغرق فعبرا وقومهما البحر في سلام.. لقد نرك الله لفطنة القاريء تصور عظم هذا الأمر.. فلمسألة تحتاج إلى آلاف العناصر المساعدة في رصف قاع البحر وإبعاد كائناته.. ثم تمهيد حافتي المجرى المائي الرهيب وكيف فرض النظام على العابرين بأطفالهم وحاجياتهم وإدارة العلاقات بين العابرين على عجل… ثم يتلوه إغراق عدوهم بحاشيته وجنوده وجبروته.. وانظر كيف وصف القرآن كل هذه الظروف المستحيل حصرها بالكرب العظيم..
إن النتيجة في النهاية كانت نصرا عزيزا مؤزرا لموسى وهارون ومعهما قومهما.. كانوا هم الغالبين وكان عدوهما وأنصاره هم المهزومين..
إن “الصافات” تقدم الوصف للحدث الديناميكي المليء بالحركة وبالعديد من الشخصيات.. بل تقدم ما كان من شخصيات القصة كلها في مشهد هائل.. تقدمه في بضع كلمات.. تجمع هؤلاء في مشهد الناجين.. وتجمل فعلا لآخرين تحت مسمى “الكرب العظيم”.. كانوا يقتلون أبنائهم ويستعبدونهم ويستحيون نسائهم.. وتترك للقاريء الإحتفال العظيم بالغلبة والنصر تحت راية “الغالبين”.. إنه أحد أكبر مشاهد الصراع ثم النصر في قصة “حياة موسى”.. أو قل في حياة البشرية جمعاء..
كذلك يفعل الله بجميع المؤمنين.. فقد تركنا عليهما في الآخرين فجعلنا لهما السيرة العطرة مثلما آتيناهما التوراة البينة.. وهديناهما الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه.. وهو الإسلام دين الله الذي ابتعث به أنبياءه.. وأبقينا لهما ثناءً حسنًا وذكرًا جميلا فيمن بعدهما.. حسب التفسير الميسر..
إنه انتصار الخير تقدمة “الصافات” في مشاهد سينمائية متتالية ومتسارعة في اقتضاب معجز.. يرويها السارد العليم سبحانه.. ولا حاجة هنا للحوار أو العناوين..

لاحظ التبديل من صيغة المثنى.. إلى صيغة الجماعة.. ثم العودة إلى صيغة المثنى..
ثم تجمل “الصافات” كيف من الله على موسى وهارون بالنبوة والرسالة.. وبسلطان مبين.. وبصفات لا حصر لها في تركيب شخصية كل منهما.. ووهبهما مكانة رفيعة في قومهما..
وقد أضاف سبحانه نجاة قومهما إلى نجاتهما.. فالله قد أنجى موسى وهارون في الأساس..
ثم نصرهم كلهم جميعا بكرم منه وفضل..
ويقول التفسير الميسر..
ونذكر بإنهم انتصروا في حياة موسى وهارون على فرعون وملأه.. ثم انتصروا من بعدهما.. كما قصته المشاهد الروائية الديناميكية المتحركة في سورة البقرة..
“وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ.. وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ.. وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ.. وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251)”.. وهي مشاهد يقدمها المؤرخون كجزء من “حياة موسى” وإن جرت بعد رحيله..

ثم العود إلى السياق المسرحي.. فقد آتى الله موسى وهارون – حسب سورة الصافات – التوراة وأسماها بالكتاب المستبين.. كما آتى داوود زبورا.. وهداهما الصراط المستقيم.. تماما كما آتى الله داوود الملك والحكمة وعلمه مما يشاء.. إنها مقابلة تثبت لرب العالمين سبحانه وتعالى إطلاق القدرة وإحكام أدوات رسالة التوحيد..ثم يروي بقية هذا الفصل من القصة في السور الأخرى من القرآن الكريم..
إن الله يختص موسى وهارون في نهاية مشاهد “الصافات” المقتضبة الرائعة بالتحية..
يقول التفسير الميسر هنا في الآيات من سورة الصافات: } وآتيناهما التوراة البينة.. وهديناهما الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه.. وهو الإسلام دين الله الذي ابتعث به أنبياءه.. وأبقينا لهما ثناءً حسنًا وذكرًا جميلا فيمن بعدهما.. فتحيةٌ لموسى وهارون من عند الله.. وثناءٌ ودعاءٌ لهما بالسلامة من كل آفة.. كما جزيناهما الجزاء الحسن نجزي المحسنين من عبادنا المخلصين لنا بالصدق والإيمان والعمل. إنهما من عبادنا الراسخين في الإيمان..{

أراكم غدا إن شاء الله..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى