فاترينة الأراجوزات

فاترينة الأراجوزات
د. أحمد دبيان

الأراجوز لفظة فى غالب المعاجم ، أعجمية
وهى في اللغة
دُمْية متحركة (قفازية) تُحرَّك يدويًّا، ويُطلق الاسم أيضًا على الشخص الذي يُحرِّكها ويؤدي الأصوات الساخرة أو الكوميدية من خلالها.
الأصل التركي: يرى بعض الباحثين أن الكلمة مشتقة من اللفظ التركي «كراكوز» (Karagöz)، والذي يعني «العين السوداء»، وهي شخصية شهيرة في مسرح الظل التراثي التركي.
الأصل المصري القديم: يرجح مؤرخون آخرون أن الكلمة تعود لجذور مصرية قديمة من كلمة «أرجوس»، والتي تعني حرفيًّا «الذي يصنع كلامًا معينًا» أو الحكواتي الساخر.
في المعجم العربي: لا توجد كلمة «أراجوز» في المعاجم العربية القديمة الأصلية كفصيح، وإنما هي كلمة مُعرَّبة أو دخيلة دخلت في الفولكلور والعامية العربية، ولها صلة لفظية قريبة من بحر الرَّجَز في الشعر (وهو الشعر السريع الخفيف الذي يشبه حركة الناقة المصابة برعشة)، نظرًا لسرعة إيقاع الكلام وحركته الكوميدية.
إذًا، فالأراجوز أو القره قوز، في أحسن تعريفاته المصرية، هو الحكَّاء، وفي الأصل التركي هو ذو العين السوداء أو الظل.
تعاودنى هنا قصيدة «الظل والصليب» للشاعر الكبير صلاح عبد الصبور:
( أنا رجعت من بحار الفكر دون فكر
قابلني الفكر، ولكني رجعت دون فكر
أنا رجعت من بحار الموت دون موت
حين أتاني الموت، لم يجد لديَّ ما يميته،
وعدت دون موت ).
يتصدر المشهد مسوخ ترتدي البدل الحديثة والكرافتات الثمينة، ولكن دون روح.
اللقطة صارت هي قبلة المشتاق.
محافظ، جاء لقبه من لفظة «مستحفظ» العربية، ومن التركية «مستحفظان»، ووظيفته الحفاظ على الأمن، لكنه في زمن العبث صار يروِّع الآمنين.
المعلم والطبيب صنوا الحياة المدنية الحديثة.
فالمعلم حين يجيد حرفته يزيح أسقام الفكر من المنبع بغرس طيب الأفكار، والطبيب يزيح أسقام البدن والعقل إذا ما توخى الضمير وروح الحرفة.
في واقعنا الجديد، صار المستحفظان يستلهم روح أنطون أنطونوفيتش في مسرحية «المفتش العام» للأديب الروسي نيقولاى جوجول.
في كوميديا «المفتش العام»، والتي هاجمت وسخرت، بدون رحمة، من النظام البيروقراطي الفاسد في عهد القيصر نيقولا الأول.
تحكي كوميديا «المفتش العام» أن المسؤولين، وعلى رأسهم أنطون أنطونوفيتش والموظفون الفاسدون في أحد أقاليم البلاد، استقبلوا رجلًا سمينًا جميل الهندام، وظنوا أنه «المفتش العام». وأخذوا يقدمون له الرشاوى ويدعونه إلى المآدب لكي يغض بصره عن فسادهم الوظيفي. وبعد مغادرته، احتفلوا بأنهم تمكنوا من الضحك عليه، وأثناء احتفالهم بنصرهم وصل «المفتش العام» الحقيقي، فأصابهم الرعب.
أنطون أنطونوفيتش يمثل تجسيدًا ساخرًا للفساد والغطرسة والغباء الإداري في روسيا القيصرية.
يدير أنطون أنطونوفيتش المدينة الصغيرة بأسلوب يعتمد على الرشوة، والاختلاس، واستغلال النفوذ، ونهب المال العام دون أي ضمير. وعندما يتلقى نبأ قدوم مفتش عام متنكر من بطرسبرغ، يصاب بانهيار عصبي ورعب شديد خوفًا من افتضاح أمره وأمر موظفيه الفاسدين.
يقع في فخ الساذج «خليستاكوف» (الشاب المفلس القادم من بطرسبرغ)، فيظن خطأً أنه المفتش المنتظر، ويغدقه بالأموال والهدايا، ويحاول التقرب إليه بطرق مثيرة للسخرية. وهو يحلم بترقية نفسه وزيادة سطوته، ويوافق على زواج ابنته من المفتش الوهمي طمعًا في الجاه، قبل أن ينكشف الغطاء ويصل المفتش الحقيقي في نهاية المسرحية، تصاعدًا للكوميديا السوداء.
مستحفظينا يستلهمون روح أنطون أنطونوفيتش وروح المحتسب الزيني بركات، لترويع الآمنين، بدلًا من استلهام روح السيد محمد كريم، مستحفظان الثغر السكندري إبان حملة بونابرت، والذي فهم روح المنصب، وهي أن يحمي ولا يروِّع، واستشهد اعداماً على يد المحتل بروح هذا الفهم الدقيق لمنصب المستحفظ المستحفظان.
في زمن اللقطة المشؤوم، يبرز خيال الظل، أو القره قوز، ليؤدي عرضه الشائه استعراضًا وترويعًا لمعلم ومعلمة ، أو طبيب أو صيدلى دون أن يجرؤ على طرق أبواب المخفر مفتشاً ، و لينتهي في النهاية إلى مصير
( أنطون أنطونوفيتش) .