الإخراج الفني في النص القرآني..”حياة موسى” على شاشة القرآن.. ( 38 ).. في موسى ورسالته – 26المشاهد المحورية.. من بيان ما بين موسى وفرعون.. تسجيلات سورتي فصلت والشورى..
الإخراج الفني في النص القرآني..
“حياة موسى” على شاشة القرآن.. ( 38 ).. في موسى ورسالته – 26
المشاهد المحورية.. من بيان ما بين موسى وفرعون.. تسجيلات سورتي فصلت والشورى..
م. مجدي سالم

تلاحظ أن الترحال في “حياة موسى” في ربوع القرآن لا ينتهي.. فإنك ما أن تنتهي إلى آخر ذكر لموسى في سورة (الأعلى) حتى تعود أدراجك لتبدأ القصة من جديد في سورة (البقرة) .. وتظل بنفس الشغف وبنفس التأمل والتمحيص.. ودائما ستعود بجديد.. لإنها قصة تحتار في بدايتها وهي بلا نهاية.. هي لا تبدأ عند مولد موسى ولا عند بلوغه ولا في مصر أو مدين.. وربما عند الوادي المقدس طوى أو جبل الطور.. وربما في بلاط فرعون.. ومن الممكن أن تبدأ عند الخروج وعبور البحر.. أو.. أو… ولا توقن أن النهاية على أبواب الأرض المقدسة أو في صحراء التيه.. والخلاصة أنك تبدأها من حيث تحب.. وهي للقرآن دون غيره بلا ريب.. فقد تفتح الكتاب الكريم دون اختيار لموضع بذاته.. وتذهب لتقرأ من حيث فتحته.. بلا عناء….
مع المشهد الأول.. ولكن في رحاب سورة فصلت..
تبدأ فصلت حيث انتهت سورة غافر.. سبحان الله..
- فمن عند رب العباد يأتي موسى بالكتاب.. كتب الله له في الألواح من كل شيء.. أراد أن تهتدي بنو إسرائيل وأن يكون الكتاب شريعة لهم ومنهاج حياة..
- كم عانى موسى منهم حين كان بين أظهرهم في مغارب الأرض.. قالوا له أوذينا من قبل أن تأتينا وأوذينا بعد ما جئتنا..
- وها هو يعاني منهم حين عبروا إلى الشرق.. رغم أن الله أورثهم ما كان يعرش فرعون وحاشيته في الغرب من زروع ومن قصور.. وأورثهم المشرق ونزل عليهم المن والسلوى..
- وأسكنهم قرية وأطعمهم من خيرها فبدلوا ما أمرهم به الله..
- وعاد موسى من ميقات ربه بالكتاب ليجدهم يعبدون العجل من دون الله.. وكادوا أن يقتلوا هارون حين دعاهم إلى توحيد الله..
إن سورة “فصلت” تصور مشاهد ردود أفعال بني إسرائيل وما كان منهم.. وما كان من تشكيكهم لكل ما جاء فيه سرا وعلانية.. تنقل اختلافهم وتفرقهم شيعا عندما جاءهم الكتاب.. اقرأ..
من سورة فصلت – الآية (45) ..
” وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ.. فَاخْتُلِفَ فِيهِ ۗ ..
… وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ ..
… وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ”..
يقول تفسير القرطبي: قوله تعالى : ولقد آتينا موسى الكتاب يعني التوراة فاختلف فيه أي آمن به قوم وكذب به قوم.. والكناية ترجع إلى الكتاب .. وهو درس وتسرية للنبي صلى الله عليه وسلم ..
أي : لا يحزنك اختلاف قومك في كتابك .. فقد اختلف من قبلهم في كتابهم.. قيل : الكناية ترجع إلى موسى .
ولولا كلمة سبقت من ربك أي في إمهالهم .. لقضي بينهم أي بتعجيل العذاب…
وإنهم لفي شك منه.. كما أن لهم شك من القرآن مريب أي شديد الريبة .. وقد تقدم ..
وقال الكلبي في هذه الآية : لولا أن الله أخر عذاب هذه الأمة إلى يوم القيامة لأتاهم العذاب كما فعل بغيرهم من الأمم .. وقيل : تأخير العذاب لما يخرج من أصلابهم من المؤمنين..
فالله قد أرسل التوراة إليهم.. نقصد إلى بني إسرائيل.. فما كان منهم إلا أن فعلوا سلبا كل ما يمكن أن يفعله الكفار بالرسالات السماوية.. فبدلا من اعتناق الدين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة راحوا يفسرون الكتاب.. كل على هواه.. وجعلوه قراطيس متفرقة يبرزون بعضه ويخفون بعضه.. ويتقاتلون أحزابا وينقسمون فرقا.. بعيدا عن الإيمان.. ويتشككون في صحته..
فعلوا هذا بالتوراة واخترعوا من بعدها التلمود.. ثم فعلوا هذا بالإنجيل.. فأصبح من المستحيل أن تحصي عدد الكتب التي صارت بأيدي الناس..
ثم أخرجوا إلى المشركين ما أسموه بالكتاب المقدس..
وأفرغوا كل كتاب من محتواه.. فلا شرع ولا شرائع.. لا أوامر ولا نواهي..
ثم أرادوا أن يفعلوا هذا بالقرآن حتى أن الله سبحانه وتعالى يقول.. أنه لولا أن جعل ليوم الحساب موعدا.. لحاسبهم وعذبهم فورا على ما فعلوه بالكتاب.. بكل كتاب..
فهؤلاء هم بني إسرائيل على مر العصور..
المشهد الثاني.. من نقل سورة الشورى.. يتجلى سبحانه وتعالى في كتاب الدعوة إلى التوحيد..
تقول سورة الشورى عن الكتاب السماوي على عموم البشرية في الآيتين (13-14)..
” شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا..
وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ..
وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ ..
أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ ..
كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ ..
اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ (13)..
وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ..
وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ..
وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14) ..
هنا تتلاقى وتتقاطع كل سور القرآن الكريم.. ألا إله إلا الله.. وحده لا شريك له.. هنا تقرر سورة الشورى الحقيقة الراسخة التي تأتي في إسلوب خبري توثيقي.. إن الدين واحد منذ خلق الله آدم.. أن الله أزلي واحد.. جاء به نوح والنبيون جميعا في طليعتهم إبراهيم وموسى وعيسى.. وجاء به خاتم الأنبياء محمد عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.. إن الخطاب يتردد في أرجاء ما يذيعه القرآن الكريم متحدثا إلى النبي وموجها إلى كافة المستمعين والمطلعين إلى يوم الدين.. أن أقيموا هذا الدين واصطفوا تحت لواءه.. وصى الله به محمدا عليه الصلاة والسلام وإبراهيم وموسى وعيسى من قبله.. فكذب بها المشركون واستكبروا عليها وجحدوها.. رغم أنهم كانوا وسيظلوا على يقين أن هذا هو الدين الحق.. وهو ما يقينهم وهم به موقنون..
ولقد تفرق المشركون رغم يقينهم أن الله قد بعث بالرسالات وبكتبه إلى بني آدم..حملها إليهم أنبياءه ورسله.. وهكذا فعلوا- من قبل- مع كل الإنبياء من نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم.. هو نفس الدين الذي وصى به الله إبراهيم وموسى وعيسى أولي العزم من الرسل..
ولذلك يتعمد بعض المؤرخين وتبعهم بعض الأدباء إلى تسمية ما جاء يه موسى (بالوصايا العشر) .. وهو ذات المسمى الذي حمله أحد الأعمال الفنية في بدايات القرن الماضي.. يحمل أحداث (الحدوتة) مبتعدا تماما عن كتاب الله.. مفرغا الأمر من محتواه.. وهكذا دأبهم..
إن القرآن الكريم يقدم في معرض هذه الأحداث من صفات الله العليم الغفور.. هو يرى ويعلم ثم يثيب أو يعذب.. فمن يؤمن ويقترب يقربه الله.. ومن يسلم وجهه لله يهد قلبه ويرزقه الهدى والتقى والمغفرة.. يقترب العبد فيعرف ذنبه ويتوب فيتوب الله عليه..
نحن هنا في نقل سمعي يشبه ما نسميه بالنقل الإذاعي.. بينما يترك لللدارس أن تتطلع في مخيلته إلى الشاشة وما تعرضه من مشاهد وأحداث جرت في عهود متتابعة ومع تعاقب أنبياء الله.. ومع تعدد كتبهم.. فالقرآن يقيم في “الشورى” الحجة على كل البشر- كما سجلها في كل آيات كتبه السالفة.. ويقرر أن النقطة الفاصلة في “حياة موسى” هي يوم آتاه الله التوراة.. هي كل ما يهم الدعوة.. وذلك على الرغم كل التفاصيل التي جاءت في قصته ومن كلا لمعجزات الخالدة التي مر عليها القرآن سريعا.. حتى أن إنشطار البحر جاء في القرآن وكأنه مجرد حدث عابر يسجل عبور موسى وبنو إسرائيل البحر وإغراق فرعون في الماء الضحل.. إنه على الله هينا وحدثا صار بالقاعدة “.. كن فيكون”..
ونسجل هنا ما كان منهم حيال وثائق “نجع جمادي” ووثائق “المنيا” التي اكتشفت في الجبال وفي الكهوف في مصر في منتصف القرن الماضي.. ووثقها العرض الوثائقي (الأناجيل المفقودة)..
إن القرآن قد قدم في سورة الشورى ما كان من بني إسرائيل بعد أن تنزلت عليهم التوراة.. فقد اصطنعوا واختلقوا الإختلاف اختلاقا.. وما تفرقوا إلا بعد أن جاءهم العلم.. صاروا شيعا يستقل كل منهم بما يهوى.. صاروا إلى معابد وإلى كنائس متفرقة.. تماما كما فعلوا بإنجيل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام.. ذلك لكتاب الذي يخفونه حتى يومنا هذا.. ومازالوا ينكرون حتى ما يصل إلى أيديهم من صحيحه.. مدعين أنه يهدم عقيدتهم التي أقاموا عليها قرونا.. يهدمها من الأساس..
ثم يكتفون بحفظ هذه الوثائق المحققة في المتاحف.. رغم أنهم يدركون صحتها بعد أن أجروا عليها كافة الإختبارات المعملية التي تثبت صحتها وخاصة إختبارات العمر الكربوني.. إنهم ورثوا الكتاب وثائق ولم يرثوه عقيدة.. ولولا أن الله قد أجل القيامة إلى أجل يعلمه وحده لحاسبهم الله في الحياة الدنيا.. وله أن يفعل ما يشاء..
هكذا تحمل الآيتين من سورة الشورى- رغم قصرهما نصا- وتهدي إلى البشرية كلها قيمة كتب الله.. وأن الأمم محاسبين كلهم بما فعلوا فيما أنزل الله عليهم.. وأن الحساب يوم الحساب.. فتربصوا إنا معكم من المتربصين..
أراكم غدا إن شاء الله…