في رحاب آية : (( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابؤون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون )) – المائدة ٦٩


الشاهد في الآية الكريمة هو كلمة

( الصابؤون ) بالرفع .

وردت هذه الآية في سورة البقرة وفي سورة الحج بلفظ

( الصابئين ) بالنصب

وقد أثار رفع كلمة ( الصابؤون ) جدلا واسعا عند علماء اللغة قديما وحديثا .

وكان الناس في ذلك بين :

عالم في اللغة أكد أن هذا اسلوب بلاغي له غرضه .

وعالم مأجور أوجاهل بقواعد اللغة ودلالات الألفاظ أدعيا أن القرآن خالف قواعد اللغة .

ومستشرق يبحث عن ثغرات من وجهة نظره ليهاجم بها القرآن الكريم.

لنقرر :

  • أن القرآن الكريم سابق على علم اللغة ،
  • وأنه كان المصدر الرئيس لقواعد اللغة من نحو وصرف وبيان ، ومنه استنبط علماء اللغة هذه القواعد .
  • ومن ثم فإن القرآن الكريم حجة على اللغة وليس العكس .
  • القرآن الكريم يعمد إلى أسلوب التقديم والتآخير والحذف للفت النظر إلى مسألة ما وإبراز أهميتها ،

وهذا من أساليب البلاغة .

— الصابئة :

فئة من الناس كانوا على شريعة معينة في زمنهم وأنهم اخلاط ممن كان على شريعة نوح ويحيى وبعض الأنبياء السابقين .

تحدث علماء اللغة من مدرستي الكوفة والبصرة وأجمعوا على رفع كلمة ( الصابؤون ) وأنها لا تخرج عن لغة العرب .

واختلفوا في سبب الرفع على أكثر من تعليل أشهره أن كلمة ( الصابؤون ) جاءت مرفوعة على

الإبتداء بتقدير ( والصابؤون كذلك )

فتكون ( الصابؤون ) مبتدأ ،

وكلمة ( كذلك ) خبر محذوف لدلالة المعنى عليه .

وأن العطف هنا هو عطف جملة على جملة وليس عطف مفردات كما في آيتي البقرة والحج .

وممن قال بذلك عالم اللغة الشهير / سيبويه

وعندما سألوه هل لذلك شاهد في كلام العرب قال نعم وأنشد قول الشاعر :

فمن يك أمسى بالمدينة رحله

فإني وقيار بها لغريب ( وقيار اسم فرسه )

على تقدير : فإني بها لغريب وقيار كذلك .

فرفع ( قيار ) على الإبتداء وحذف الخبر ( كذلك ) لدلالة المعنى عليه .

فهو عطف جملة على جملة ،

ولو كان عطف مفردات لقال :

فإني وقيارا . بعطف قيار على ياء المتكلم .

رفع الصابؤون هنا للفت انتباه القارىء وجعله يتساؤل : لم رفعها .

والسبب في رفعها هو التذكير بأن هناك فئات من الناس لا نعلمهم على شريعة في زمنهم قد تخالف ما نحن عليه ولكنها تؤمن بالله بطريقة ما ،

هؤلاء قد شملتهم رحمة الله الواسعة ، فلم يخلق الله الناس ليعذبهم ولكنه يريد منهم الخضوع والإيمان الذي قد يختلف من شريعة إلى أخرى .

هؤلاء الصابئة من استقام على شريعته في زمانه شملهم الوعد الإلهي بالرحمة ،

فضلا عن البلاغة في التقديم والتآخير والحذف

في آية واحدة .

وشواهد هذا النوع من البلاغة والبيان في القرآن الكريم كثيرة.

أذكر منه شاهدا واحدا هنا لشرح المسألة :

يقول سبحانه وتعالى :

(( ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى )) طه ١٢٩

الشاهد هنا رفع كلمة ( وأجل ) بالعطف على ( كلمة سبقت ) هنا تقديم وتأخير ،

وتقدير الكلام :

ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى بتأخير عقابهم لكان لزاما علينا إهلاكهم وإنزال العقوبة عليهم فور كفرهم .

أرجو أن اكون قد بينت المسألة ووضعت النقاط على الحروف .

وبالله التوفيق وعليه التكلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى