الإخراج الفني في النص القرآني.. “حياة موسى” على شاشة القرآن.. (41).. في موسى ورسالته – (29)

” وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ ﴿١٣﴾ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ ﴿١٤﴾ عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ ﴿١٥﴾ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ ﴿١٦﴾”..

ترتفع بنا إلى مشاهد سورة النجم إلى عنان السماء حتى يستحيل على أي بشر أن يدركها بحواسه.. تشعر أنه حتى الخيال قاصر..

يترك القرآن فيها للمتلقي السمو بروحه ليتابع مشاهد أحداث المعراج في السماوات.. وهي من أروع المشاهد التي قدمها القرآن..

يسجل فيها القرآن الكريم كيف وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى.. والتي تميز جنة المأوى.. ويعجز العقل البشري عن تخيل ما قد غشي السدرة من حبور وسعادة بوصول النبي صلى الله عليه وسلم إليها.. إن نشوة السدرة تصل إلى فؤاد المتلقي وروحه.. ..

نعود إلى “حياة موسى”…

.إنها المقدمة للمشاهد التي جاءت في السورة وهي هامة للغاية حتى نفهم ثم نصل إلى الهدف..

  • ” أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (34) ..
  • أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (35) .؟

فهذه آيات جاء فيها الخطاب للبشرية كلها على مر العصور وإلى قيام الساعة.. على الرغم من أن ظاهر السؤال كان عما حدث بين المشركين ورواه النفسير الوسيط كما يلي:

( ذكر المفسرون روايات في سبب نزول قوله-تبارك وتعالى-: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى.

وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى منها: أنها نزلت في الوليد بن المغيرة، كان قد سمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وجلس إليه ووعظه، فهمّ أن يدخل في الإسلام.

فعاتبه رجل من المشركين، وقال له: أتترك ملة آبائك؟ ارجع إلى دينك، واثبت عليه، وأنا أتحمل عنك كل شيء تخافه في الآخرة، لكن على أن تعطيني كذا وكذا من المال.

فوافقه الوليد على ذلك، ورجع عماهم به من الدخول في الإسلام، وأعطى بعض المال لذلك الرجل، ثم أمسك عن الباقي، وبخل به، فأنزل الله-تبارك وتعالى- هذه الآيات) ..

إن تتابع فيها المشاهد والتي تليها تنقلنا فيها حروف العطف من مشهد إلى آخر.. حتى قرب النهاية.. ولولا علوم البلاغة هنا لاحتار القاريء في الإجابة على سؤال بسيط.. لمن جاء فيها الخطاب.. فالله سبحانه يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضوء أحداث يعرفها..

ثم إلى السيناريو من سورة النجم (36 – 55).. فماذا جاء بصحف موسى وإبراهيم:

  • أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ ﴿٣٦﴾ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ ﴿٣٧﴾
  • أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴿٣٨﴾
  • وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ﴿٣٩﴾ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ﴿٤٠﴾ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ ﴿٤١﴾
  • وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ ﴿٤٢﴾
  • وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ ﴿٤٣﴾ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ﴿٤٤﴾
  • وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ ﴿٤٥﴾ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ ﴿٤٦﴾
  • وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ ﴿٤٧﴾
  • وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ ﴿٤٨﴾
  • وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىٰ ﴿٤٩﴾
  • وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَىٰ ﴿٥٠﴾ وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَىٰ ﴿٥١﴾ وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ ﴿٥٢﴾
  • وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ ﴿٥٣﴾ فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ ﴿٥٤﴾
  • فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ ﴿٥٥﴾..

ويقول التفسير الوسيط: (و «أم» هنا للإضراب الانتقالى من ذمه على إعراضه وبخله.. إلى ذمه على جهله وحمقه.. لاحظ حروف العطف التي تجمع تتابع الآيات وتتابع المعاني والترابط بينها..

وصحف موسى: هي التوراة التي أنزلها- سبحانه – عليه..

وصحف إبراهيم: هي الصحف التي أوحى الله- تبارك وتعالى- إليه بما فيها..

وقد ذكر سبحانه ذلك في قوله تعالى: إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى.. صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى..

وخصت صحف هذين النبيين الكريمين بالذكر.. لأنها كانت الأشهر من غيرها عند العرب.. وكانوا يسألون أهل الكتاب من اليهود عما خفى عليهم من صحف موسى..

وقدم- سبحانه – هنا صحف موسى في سورة النجم.. لاشتهارها بسعة الأحكام التي اشتملت عليها.. بالنسبة لما وصل إليهم من صحف إبراهيم..

وأما في سورة الأعلى فقدمت صحف إبراهيم على صحف موسى لوقوعهما بدلا من الصحف الأولى.. وصحف إبراهيم أقدم من صحف موسى.. فكان الإتيان بهما على الترتيب الزمنى أنسب بالمقام) ..

إن ما أأتت به سورة النجم في المقام الأول يلخص الفارق الأهم في الإيمان بكيفية الحساب يوم القيامة في المعتقدات وفي الأديان جميعا.. والمثال على ذلك في تعرض النجم الفارق بين المعتقد الإسلامي.. وملخصه أن كل إنسان سيسأل عن عمله.. وبين ما يدعيه البعض من تحمل بشر بذاته لجميع الخطايا..

وتقول النجم أن الملائكة الكرام الكتبة تسجل لكل إنسان حسناته.. لكنهم في الوقت ذاته يسجلون عليه عمله فيسأل عن سيئاته.. وعن أوزاره..

ثم تقول النجم نه ليس لأي إنسان إلا ما اجتهد واكتسب وتعلم.. وأنه سيعرض على ربه بعمله حين تقوم الساعة.. يسأله ربه عن عمره فيم أفناه.. وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه.. ثم إلى الله المنتهى..

وما أروع المشاهد التي تعرضها كاميرات سورة النجم لتاريخ البشرية وتتابع القرون منذ بدء الخليقة..

  • فالخلق الأول جاء من نطفة إذا تمنى.. فخلق من البشر الذكور والإناث.. وميزه الله بالقدرة على الضحك والبكاء واختصه بها..
  • وقدر سبحانه عمر كل إنسان فهو يحيي ويميت ولا يملك كائن أن يغير قدره.. وهو سبحانه من سيعيد بعثه فيحاسبه عما اجترح واقترف..
  • وأنه ميز من يشاء بسعة الرزق وفرض عليه أن يؤدي حق الله في ماله فيتزكى..
  • وأنه سبحانه رب الكون كله واختص هنا نجمة الشعرى بصوتها المميز بالأزيز..

ثم تستعيد النجم المشاهد التي صورت هلاك أمم متتالية حين كفرت وطغت.. فنقلت تتابع صور قوم نوح وعاد وثمود والمؤتفكة قوم شعيب..

  • وكيف أن العذاب بمختلف ألوانه قد لحق بالمشركين جتى طمس كل معالم حياتهم فأبادهم ..

ثم يوجه الله السؤال الخالد إلى كل طاغية.. إذا كنت قد علمت بكل هذا التاريخ واستيقنت قدرة الله على خلقه.. فبأي حديث أو حقيقة تكذب.؟

نذكر بإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قرأ سورة النجم كاملة على كل من كان حاضرا في المطاف في المسجد الحرام.. حتى إذا أتى على قوله سبحانه “ فَاسْجُدُوا لِلَّـهِ وَاعْبُدُوا ﴿٦٢﴾” سجد كل من كان هناك أجمعون.. مؤمنهم وكافرهم.. حتى وصلت الأخبار إلى مهاجري الحبشة بإن قريشا قد أسلمت فعاد بعضعم إلى مكة.. ثم عاد جزء منهم مرة أخرى إلى الحبشة ثانية..

أراكم في حلقة قادمة إن شاء الله..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى