شَسَاعةُ الحبر… وعثرةٌ على ضفاف النورس

في صدري متّسعٌ لندبة قديمة.

لا أقول ذلك من باب المبالغة. بعض الندوب لا تختفي، لكنها تتعلم مع الوقت كيف تجلس في مكان هادئ من الجسد، فلا تؤلمك كل يوم. ثم يكفي أن يمرّ شيء يشبه الأمس، حتى ترفع رأسها من جديد.

ربما لهذا أحب الكتابة.

أجلس أمام الورقة أحياناً ولا أعرف ماذا أريد منها. أكتب سطراً، أتوقف. أعود إليه، أغير كلمة، ثم أمسحها. وفي لحظة ما أشعر أنني لا أكتب شيئاً على الإطلاق، وإنما أحاول أن أتعرف إلى ذلك الصوت الخافت الذي يصرّ على الكلام من داخلي.

وهذا الصوت لا يكون مهذباً دائماً.

قد يأتي مرتبكاً، وقد يخطئ، وقد يذهب بي إلى مكان لم أكن أقصده.

وأنا لا أبحث عن نص يجلس مستقيماً أمام القارئ، كأنه جاء إلى امتحان وهو يعرف مسبقاً جميع الإجابات. أحب النص الذي تظهر فيه عثرة صاحبه. أحب أن أشعر بأن وراء الجملة إنساناً توقف قليلاً قبل أن يقولها.

فالكلام الذي لا يتعبني لا يغريني كثيراً.

والنص الذي يبدو كاملاً منذ كلمته الأولى يثير في داخلي شيئاً من الريبة؛ لأن الإنسان نفسه ليس كاملاً حين يتكلم، فلماذا ينبغي أن تكون كلماته كذلك؟

ليس الشعر عندي استعراضاً للبحور، ولا مناسبة لإظهار ما حفظناه من كتب العروض. أعرف قيمة الوزن، وأعرف أن للقصيدة نظامها، لكنني أعرف أيضاً أن القصيدة قد تكون موزونة ولا تقول شيئاً، وقد تأتي جملة عابرة، لا تتكئ على كل ذلك، ثم تبقى في الذاكرة سنوات.

الشعر، كما أراه، ليس في انتظام الخطوات فقط.

إنه أيضاً في العثرة.

في تلك اللحظة التي يتغير فيها صوت الإنسان دون أن ينتبه.

في شوق يطل من النافذة ثم يتراجع.

في دمعة لا تجد طريقها إلى الخد.

وفي كلمة نقولها على عجل، ثم نكتشف بعد زمن أنها كانت أكثر ما عبّر عنا.

ولذلك لا أستطيع أن أفصل الكتابة عن الحياة.

نحن لا نكتب من خارج تجاربنا، حتى حين نظن أننا نفعل. الذاكرة تتسلل من حيث لا ندري، والوجوه القديمة تظهر في جملة، والأماكن التي تركناها منذ سنوات تعود أحياناً في صورة صغيرة لا ينتبه إليها أحد.

يكفي أن أقرأ كلمة مثل «نافذة»، مثلاً، حتى أجد نفسي في مكان آخر.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للكتابة.

ليست الحكاية فيما نريد أن نقوله فقط، وإنما فيما يستيقظ فينا ونحن نقوله.

أتساءل أحياناً: كيف يستطيع البحر أن يحمل كل هذا العطش؟

السؤال يبدو بسيطاً، وربما لا يحتاج إلى جواب. لكنني أحب الأسئلة التي لا تستعجل الإجابة. بعض الأسئلة إذا أجبنا عنها بسرعة قتلنا شيئاً من جمالها.

والكلمات أيضاً هكذا.

نحن نحمّلها أكثر مما تحتمل، ثم نغضب لأنها لم تقل كل ما في قلوبنا.

كيف لكلمة مصنوعة من حروف قليلة أن تحمل غياب إنسان؟

كيف لجملة واحدة أن تعيد إلى الذاكرة صباحاً مضى عليه عشرون عاماً؟

وكيف يمكن لصفحة بيضاء أن تعرف عنا أشياء لا نجرؤ نحن على الاعتراف بها؟

ربما لهذا لا أكتب كي أشفى.

هذه العبارة تبدو جميلة، لكنها ليست صحيحة دائماً.

الكتابة لا تشفي بالضرورة. أحياناً هي فقط تمنح الألم اسماً. وهذا في حد ذاته شيء مهم. عندما يصبح للوجع اسم، لا يعود غريباً تماماً عنا.

نقول له: أعرفك.

ثم نتابع.

وهكذا أقف اليوم على عتبة «النورس».

لا أعرف إن كنت أدخل إلى فضاء أدبي أم إلى مساحة أخرى من الذاكرة. ربما الاثنان معاً. فالأدب في النهاية ليس جزيرة منفصلة عن الإنسان، وإنما هو الطريقة التي يحاول بها الإنسان أن يفهم ما حدث له، وما لم يحدث له أيضاً.

أطرق باب المعنى بيد عاشت طويلاً في الهامش.

وأقول «الهامش» هنا لا باعتباره مكاناً منسياً، بل ربما باعتباره المكان الذي يرى منه المرء الأشياء بصورة مختلفة. المركز مشغول دائماً. فيه الأضواء، والمقاعد، والأصوات العالية. أما الهامش ففيه متسع للتأمل.

ومن الهامش أرى بحوراً لم ترسم الخرائط شواطئها.

بحوراً لا أعرف إلى أين تقود.

ولا بأس.

ليست كل رحلة مطالبة بأن تعلن نهايتها منذ البداية.

أيها العابرون فوق هذه السطور…

لا أريد منكم أن تبحثوا هنا عن بلاغة الأقدمين.

ولا أن تقيسوا مقدار الوجع بعدد الاستعارات.

اقرؤوا فقط كما يقرأ الإنسان رسالة وصلته من شخص لا يعرفه جيداً، لكنه يشعر فجأة أن بينهما شيئاً مشتركاً.

هذا كل ما أريده.

أن يجد أحدهم في جملة ما شيئاً منه.

أن يتوقف قارئ للحظة ويقول: نعم، أعرف هذا الشعور.

عندها فقط أشعر أن الكتابة لم تذهب سدى.

لقد كتبت كثيراً، وكلما كتبت أكثر ازددت اقتناعاً بأن النص لا يصبح حقيقياً بكثرة الكلام.

أحياناً تكفي كلمة.

وأحياناً نحذف صفحة كاملة لنكتشف أن المعنى كان مختبئاً في سطر لم ننتبه إليه.

لهذا أحب المحو.

المحو عندي ليس عدواً للكتابة. إنه جزء منها.

الكلمة التي نحذفها ليست دائماً كلمة فاشلة. ربما كانت جميلة أكثر مما ينبغي، ولهذا لم تكن صادقة.

وهنا تكمن المشكلة.

نحن نميل إلى الجمال حتى حين لا يكون مناسباً.

نحب الجملة التي تُعجب الآخرين، وننسى أحياناً الجملة التي تشبهنا.

وأنا، كلما تقدمت في الكتابة، صرت أميل إلى الثانية.

أريد أن أرى يدي في النص.

لا أقصد اليد بمعناها الحرفي، وإنما ذلك الأثر الذي لا يمكن شرحه بسهولة. شيء من طبعي، شيء من صمتي، وربما شيء من أخطائي أيضاً.

فالنص الذي لا يحمل شيئاً من صاحبه قد يكون جميلاً، لكنه يظل بارداً.

وأنا لا أحب الأدب البارد.

أريد للعبارة أن يكون لها نبض، حتى لو لم تكن كاملة.

أريد أن أجد فيها نفساً بشرياً، لا مجرد ترتيب حسن للكلمات.

لهذا أمارس الغرق في حبري، حتى حين يكون الحبر خاطئاً.

أكتب، ثم أكتشف أنني ذهبت بعيداً.

أعود.

أغير الطريق.

ثم أجد نفسي في طريق ثالث لم أفكر فيه أصلاً.

وربما هذه هي متعة الكتابة.

أن تفاجئك بما كنت تظن أنك تعرفه عن نفسك.

هناك، في تلك المنطقة الملتبسة بين القصد والاكتشاف، تلتقي أمواجي القلقة ببحوركم العميقة.

لا يعود السؤال: من كتب أفضل؟

السؤال يصبح أبسط من ذلك بكثير:

هل وصل شيء؟

هل تحرك شيء في الجهة الأخرى؟

هل تركت الجملة أثراً، ولو صغيراً؟

إن حدث ذلك، فقد كفاني.

لا أحتاج إلى شاطئ كي أنجو.

ولا أحتاج إلى شهادة تثبت أنني كنت هنا.

يكفيني أن أترك على الصفحة شيئاً يشبهني.

شيئاً لا يطلب الإعجاب، ولا يخشى الاختلاف.

أثراً حافياً، نعم.

لكن دافئاً.

فالكتابة التي أحبها ليست تلك التي تدخل علينا بكامل زينتها، وإنما تلك التي تترك معطفها عند الباب وتجلس معنا قليلاً.

تقول شيئاً.

تصمت.

ثم تقول شيئاً آخر.

وربما تضحك من نفسها أحياناً.

أليست هذه هي الحياة أيضاً؟

نحن نبدأ أشياء كثيرة ونحن نعتقد أننا نعرفها، ثم نكتشف في منتصف الطريق أننا كنا نعرف عنها أقل مما نظن.

وهذا لا يزعجني.

بل ربما يطمئنني.

لأن الإنسان الذي يعتقد أنه وصل إلى آخر المعنى، لم يعد لديه ما يسأل عنه.

أما أنا، فما زالت في داخلي أسئلة كثيرة.

تترقرق ولا تستقر.

تنام تحت اسمي وتوقظني أحياناً.

أسئلة عن الإنسان، وعن الذاكرة، وعن اللغة، وعن ذلك الشيء الغامض الذي يجعلنا نكتب رغم أننا نعرف أن الكلمات لن تقول كل شيء.

ومع ذلك نكتب.

نكتب مرة أخرى.

ثم نمحو.

ثم نعود.

كأن في داخلنا يقيناً صغيراً بأن محاولة قول الحقيقة، حتى وهي ناقصة، أفضل من الصمت الذي يتظاهر بأنه اكتفى.

لهذا أسلّمكم هذه الخاطرة.

لا أقدمها بوصفها نصاً مكتفياً بذاته، ولا أطلب منها أن تكون كذلك.

أترك فيها بعض الخلل المتعمد، وبعض الصمت، وبعض المساحات التي يستطيع القارئ أن يدخل إليها دون استئذان.

فالنص الذي لا يترك مكاناً للقارئ يشبه غرفة أُغلقت نوافذها كلها.

وأنا أريد للنص نافذة.

نافذة يمر منها هواء آخر، وصوت آخر، وذكرى لا أعرفها.

أريد أن يكون للنورس مكان في هذه الحكاية.

فهو لا يملك البحر، ولا يدّعي امتلاكه.

يحلق فوقه فقط.

ثم يهبط قليلاً، يلتقط ما يحتاجه، ويعود إلى فضائه.

ربما هكذا ينبغي أن تكون الكتابة.

ألا ندّعي امتلاك المعنى.

أن نحوم حوله.

نقترب.

نبتعد.

ثم نترك للقارئ فرصة أن يرى ما لم نره نحن.

وأنا، في نهاية هذه الرحلة القصيرة، لا أملك أكثر من هذا الحبر.

حبرٍ اتسعت شساعته حتى صار يشبه الطريق.

وطريقٍ كثرت فيه العثرات حتى صرت لا أخاف منها.

فربما لم تكن العثرة يوماً ضد الكتابة.

ربما كانت هي التي قادتنا إليها.

وربما لم يكن النورس مجرد طائر يعبر فوق الماء.

ربما كان علامة صغيرة تقول لنا إن هناك دائماً جهة أخرى من السماء، حتى حين نظن أن البحر قد ابتلع الجهات كلها.

سأترك الورقة هنا.

لن أغلقها.

ولن أضع نقطةً كبيرة في آخر الكلام.

يكفيني أن يبقى شيء ما مفتوحاً…

لأن أجمل ما في الكتابة، في ظني، ليس ما تقوله حين تنتهي،

بل ما تتركه فينا

بعد أن نصمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى