أدب الحوار والبحث المنهجي
ادب الحوار والبحث المنهجي
مدحت رحال
في مقال طويل يقول الدكتور محمد الفقيه :
من المظاهر التي تدل على أن مكانة القرآن شكلية وليست أساسية في استنباط الأحكام التشريعية ما يلي :
— أن حديث آحاد ظني الثبوت من الممكن أن ينسخ آية أو آيات من كتاب الله .
— القول بأن القرآن ينسخ بعضه بعضا .
— أن حديث آحاد يخصص آيات من القرآن ويقيدها .
— غالبا ما يتم استبعاد الاستدلال بالقرآن الكريم بحجة أنه حمال وجوه .
— إذا تعارضت الآية القرآنية مع الحديث الظني غالبا ما يتم تجاهل الآية القرآنية أو تأويلها .
هذه أبرز المحاور في المقال .
قرأت هذا المنقول منقولا في صفحة أحد الأصدقاء وعلقت عليه في تلك الصفحة ،
ولكن صديقي قال بأن كاتب المقال لا يطلع على التعليق وبأن جهدي يذهب أدراج الرياح .
وعليه فقد رأيت أن أرد على مقال الدكتور / محمد الفقيه بمنشور لعل أحدا يستطيع أن ينقل إليه تعليقي . فقد حاولت أن أدخل على حسابه فلم أفلح .
من أمانة البحث المنهجي أن يدعم الباحث أو الكاتب أو الناشر مقاله بالأدلة أو ما نسميه لغة ( الشاهد ) على صحة دعواه ليقنع القارىء بفكره
وقوة حجته في الفكرة موضوع المقال ،
وهذا ما لم يفعله الدكتور الفقيه ،
فلم يأت بشاهد واحد على صحة دعواه ،
بل عمد إلى صيغة الإبهام والتعميم دون أن يقدم الدليل .
وهذا الأسلوب في الطرح يتسبب في تشكيك القارىء وتشتيت ذهنه ، ويخالف أبجديات البحث
المنهجي الجاد .
وهنا ارجو من الدكتور أن يأتي بشاهد أو دليل موثوق على صحة ادعائه في أي محور من هذه المحاور التي ذكرها .
سأتحدث باختصار عن محور واحد وهو النسخ
في القرآن الكريم .
يدعي الكاتب بأن علماء الدين يقولون بأن القرآن ينسخ بعضه بعضا .
هذا ادعاء غير دقيق ، ربما عن سوء فهم لما يقولونه .
مفهوم النسخ في القرآن الكريم ليس معناه أن الآيات ينسخ بعضها بعضا .
النسخ في القرآن الكريم يعني نسخ حكم سابق بحكم لاحق مع ثبوت الآية المنسوخة .
والناسخ والمنسوخ ثابت في القرآن الكريم ويتعبد بتلاوته .
وأوضح دليل أضربه على ذلك :
نسح حكم الخمر في القرآن الكريم .
— ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما )
تهيئة النفس لما سيأتي من أحكام الخمر .
— ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى )
قيد جديد على الخمر لتتهيأ النفس ويعتاد الجسد على البعد عنها .
— ثم التحريم البات :
( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه )
إذن هو تدرج في التحريم ،
فقد كانت الخمر من أساسيات حياتهم
بل ومن مفاخرهم في الجاهلية ،
وهذا هو النسخ .
وقد أقر بذلك بعض الضالين المضلين
ولما لم يجدوا في الآيات الا النسخ قالوا :
إنه تدرج في التحريم ،
وهل التدرج الا النسخ ؟
لقد رصدت في القرآن الكريم خمسة مواضع النسخ فيها واضح لا يماري فيه إلا مجادل مكابر .
منها وأوضحها نسخ حكم الخمر ،
ولولا الإطالة وعلمي بأن قارىء الفيس ملول لذكرتها بالشرح والتفصيل .
ويبقى أن أشير إلى ما يهرعون إليه من حديث ( لا وصية لوارث )
ويدعون أنه ينسخ آية المواريث والوصية .
وهذا جهل مطبق متعمد أو هو جهل فعلا بدلالات
الألفاظ وربط الآيات ببعضها .
الحديث يفسر علاقة الوارث بالوصية ولا ينسخ الآية . وقد تحدثت عن ذلك بالتفصيل في منشور مستقل ، ولكنها المكابرة والعناد والزيغ عن طريق الحق .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
مدحت رحال،،،