إن يحرقوا كل الجبال… سنظل نحن الجبال!
إن يحرقوا كل الجبال… سنظل نحن الجبال!
الاسم: بوعون العيد – الجزائر

بلادي وإن جارت علي عزيزة، وأهلي وإن ضنّوا بي كرام.
بلادي قبس منير في سماء العالم، بلادي راية خفّاقة في سماء الوجود، وطني ملاذ الخائفين، والمشردين، والمضطهدين، والفارين من غوائل الفقر وقواطع الحرب.
وطني هو:
هذا نوفمبر قم حيّ المدافع واذكر … جهاد الجزائر في السنين الأربع
وطني قاهر الأعداء، وملقّن فرنسا العجوز درسا في النضال؛ وطني الأمير عبد القادر، وبوعمامة، وبن مهيدي، وعميروش، وبابانا ساعي، وبن باديس، والبشير الإبراهيمي، والطيب العقبي… والقائمة طويلة. وطني رمز الانتصار ضد المحن؛ من المقاومة الشعبية، إلى الثورة التحريرية، إلى العشرية السوداء، إلى حرائق الجبال.
في ساعات كانت شرارة ألسنة اللهب تنتشر ببطء في بعض الولايات، لكن ما هي إلا بضع أيام حتى عمّت تقريبا جميع ولايات الوطن؛ فقد عمّت على زهاء أربعة وعشرين ولاية من الشرق والغرب والوسط والجنوب، حيث كانت أشد وطأة وقوة، وتزامنت مع ارتفاع درجة الحرارة، وكأن العملية متزمكنة ومحددة بدقة! وليس بالغريب على من يتربص بنا الدوائر، ويكيد لنا في جنح الظلام، وينسج حبال الشرك لنقع في مصيدة الوجل والذعر والرهاب، دونما دراية وتبصر لما يقع وسيقع.
لكن هؤلاء وزبانيتهم لا يدركون أن الجزائريات يلدن الأبطال المقدامين، وعلى نهج المجاهدين والشهداء سائرين، رافعين راية التحدي، مزمجرين ثابتين في وجه النيران، مستقبلينها بصدور عارية، وقلوب أصلب من الصخر، وعزيمة أصلد من الفولاذ! كيف لا وقد بات المصير واحدا، والعدو قاسمهم المشترك، والجزائر فلذة من فلذات أكبادهم؟!
هم يدركون أن هذا الصنيع ورغم فداحته لن يجتثهم من جذورهم؛ فهي ضاربة في الأعماق. لقد كان لهبّة أبناء الوطن وقفة رجل واحد، وبشعار: “الله أكبر، يا نار كوني بردا وسلاما”، موقنين أنه مهما احترق من أشجار وأراض تتأرجح فيها سنابل القمح والشعير، وتتدلى أغصان الأشجار وهي حبلى بالفاكهة، ناهيك عن المراعي وقطعان الأغنام، ومستودعات تربية الدواجن وكذا بيوت النحل…
هي فاجعة وكاسرة للخاطر، لكن لم تحن ظهور هؤلاء الشباب والكهول والأطفال، بل كانوا ماء يبرّد لفح هذه النيران. لقد تحوّل ميدان الإطفاء إلى ساحة وغى ألغيت فيها الرتب والمناصب؛ فكان المواطن والدركي ورجل الحماية المدنية والجيش الوطني الشعبي جنبا إلى جنب، لأن الخطب واحد والمصير مشترك. ولعل ما يثمّن هذا الموقف الرجولي البطولي قول الشاعر غازي الجمال:
نحن الذين إذا ولدنا بكرة … كنّا على ظهر الخيول أصيلا
لقد أعاد الجزائريون بعث رسالة في اللحمة والاتحاد للعالم أجمع: أن الجزائر منبع البطولات، ووقود الثورة والثوار، وجذوة الأحرار والحرية. والصورة ترجمان صادق عن الجزائري الذي لا يقبل الهوان، ولا يرزح تحت وطأة أعداء الوطن. وكما قال الرئيس الراحل هواري بومدين: “الحرية ونأكلوا التراب نتاع بلادنا وما نروحوش لفرنسا”.
هكذا شرب هذا الجيل من معين الرجال معنى الوطنية، ورضعوا من أثداء الأمهات لبن الكرامة والعزة. هي صور تجلّت في مشهد درامي تمفصلت حلقاته، وكانت حبكته: الجزائر أولا، والجزائر ثانيا، والجزائر أبدا!
أما من سوّغت لهم ضمائرهم وطوّعت لهم أنفسهم ضرب الوطن في مقتل، فهم واهمون؛ فلم تنجهم خنادق الغدر، ولا مآوي الرذيلة والفساد، ولا سوق نخاستهم هناك، ولا خونة الدار… أولئك المرتزقة المأجورون، المأفونون، المرزوؤون في عقولهم…
وستبقى الجزائر، كما كانت عبر تاريخها، عصية على الانكسار، تتجاوز المحن كما تتجاوز السفينة العاتيات من الأمواج. فإن احترقت الأشجار نبتت من جديد، وإن اسودّت الجبال بالدخان بقيت شامخة في عليائها. أما أبناء الجزائر، فسيظلون أوفياء لعهد الشهداء، متشبثين بأرضهم، مؤمنين بأن الأوطان العظيمة لا تهزمها النيران، ولا تنال منها المكائد، ما دام في أبنائها نبض وفاء، وعزم لا يلين