الإخراج الفني في النص القرآني..”حياة موسى” على شاشة القرآن.. ( 35 ).. في موسى ورسالته – 23

اقرأ من سورة العنكبوت – الآيات (39 – 40) ..
….. وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ..
…… وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) ……
…… فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ…
(أ) فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا…
(ب) وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ…
(ج) وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ…
(د) وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا…
…. وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)..

كيف يعرض القرآن الكريم للتركيب النفسي لكل شخصية محورية..
كيف يعرف الخالق الباريء كيف سيكون تصرف من خلق حيال قضية بعينها..
إنه ما سماه “توفيق الحكيم” في أحد كتبه بإنه (سجن العمر).. فالإنسان حبيس ما جبله الله عليه.. لكنه مطلق في حرية الإختيار.. إنه الخيط الرفيع بين الإنسان المسير والإنسان المخير.. فالله يعلم بحكم التركيب النفسي لفرعون أنه سيستكبر على الطاعة.. فقد وصل به الكبر إلى إدعاء الألوهية.. وتبعه هامان بالطاعة وقارون بالتبعية..

ومن ذلك قول الله لنوح في سورة هود الآية (36) .. أنه قد إنتهت فرصة الإختيار أمام الكافرين.. وأنه قد صدر حكم الله.. أنه لن يؤمن أحد ممن تبقى وأنهم مغرقون…. اقرأ..
” وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ”…

تعرض سورة العنكبوت جزءا هاما من “حياة موسى”.. فقد أرسل الله موسى يسانده هارون بالمعجزات الكبرى إلى فرعون وهامان وقارون فجحدوا بها.. كان كل منهم يدرك تماما أن ما جاء به النبيان هو الحق.. فأبوا إلا الإستكبار.. أبوا إلا الطغيان في الأرض.. وما كانوا منتصرين.. إن الآيات تتضمن مصير الثلاثة فيمن أهلكهم الله.. فهم من كانوا من المغرقين.. وضمت سورة العنكبوت هنا هامان إلى فرعون.. ضمته إلى المغرقين..
ولعل الدارس يذكر أن الله قد خسف بقارون وبداره الأرض.. من سورة القصص ”فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّـهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ ﴿٨١﴾ “..

فقد اختصرت الآيات من سورة العنكبوت هنا لأحداث الجسام التي أجراها الله على من كذب رسله واستكبر وكان من العالين.. فأخذهم الله بذنوبهم. وانظر إلى ما يسميه علماء اللغة العربية بالإلتفاف:
(1) فالله أهلك قوم لوط بإن أرسل عليهم حاصبا وهي حجارة من سجيل مسومة من عند ربك..
(2) وأرسل الصيحة وقد أهلكت ثمود قوم صالح.. بعد أن عقروا الناقة..
(3) وخسف الله بقارون وبداره الأرض.. كما تقدم..
(4) كان مصير قوم نوح أن أغرقهم الله بالطوفان.. ونجا نوح والمؤمنون معه في فلكه..
(5) وكان مصير فرعون وهامان وملئهم وجنودهم أن أغرقهم الله في البحر.. عندما تبعوا موسى ومن معه عندما فرق الله بهم البحر.. وعرفنا منها شخصيات قارون وهامان وأدوارهم..
ولقد استحقت كل فرقة منهم مالاقت من هلاك.. فقد كفروا وظلموا أنفسهم.. وما ظلمهم الله..
وعلى سبيل المثال فقد قصت سور القرآن جانبا من قصص هؤلاء الطغاة.. واختصت سور بعينها قصص هلاك الكافرين والطغاة الآخرين ليثبت الله بها قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم.. والمؤمنين معه..
إن المشاهد الخاطفة في سورة العنكبوت تقدم هذه الجوانب من صراع الخير والشر بإسلوب دقيق وعلى الطريقة التي تعلم منها الإنسان عرض أحداث جسام وكأنها ومضات سريعة.. ما يلبث أن يقوم بتفسيرها لاحقا حتى يتكامل السرد والعرض..

ثم نقرأ من سورة السجدة.. الآيات (23 – 25) ..
…. وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ.. وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23) …
….. وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) …
….. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) …

ولقد قدمنا في مقدمة هذه الحلقات كيف آتى الله سيدنا موسى الكتاب.. وسجل له في الألواح آياته..
وكتاب الله هو هدى لكل نبي سبق نبينا.. كتاب غايته الدعوة إلى التوحيد وإلى الإستقامة.. وجعل الله التوراة التي آتاها موسى هدى ونورا إلى بني إسرائيل..
إن سورة السجدة تشير إلى جزء هام في “حياة موسى”.. وهو ما يقص علينا كيف تلقى بنو إسرائيل تعاليم التوراة أولا.. ثك كيف لقوا تعاليم الإنجيل الذي أنزل على سيدنا عيسى ابن مريم..
وتشير إلى تلك الخلافات العميقة التي حدثت بين طوائف بني إسرائيل إثر تفسير كل فرقة منهم للعقيدة على هواهم.. بما يخدم أغراضهم في الدنيا ومصالح كل فئة..

ولابد أن نشير هنا إلى من صلح منهم في كل عصر ومع كل نبي.. وجعل الله من الصالحين نماذج يقتدي بها المؤمنون.. وكيف صبروا على أذى الكفار في كل العصور..
وهذا وعد من الله سبحانه أن ينصف هؤلاء يوم القيامة وأن يقتص من كل من كفر وظلم.. هو يفصل بين عباده..

ثم نقدم من تسجيلات سورة الأحزاب.. لقطتين كتب الله لهما الخلود..
في اللقطة الأولى.. تسجل سورة الأحزاب – الآية 7 ” وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا”..
أن الله قد شهد له بالوحدانية كل خلقه.. وأخذ على أنبياءه جميعا العهد ألا يشركوا به شيئا.. وأن يدعوا قونهم إلى توحيد الله وإلى عبادته.. ويأتي في مقدمة أنبياءه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ويأتي نبي الله موسى موضوع حلقاتنا ثالثا بعد سيدنا نوح وسيدنا إبراهيم عليهما الصلاة والسلام.. ثم يأتي سيدنا عيسى إبن مريم من بعد موسى.. وكان عهدهم مع الله موثقا بالشهادة وبالوعد الغير كاذب ولا مكذوب.. ميثاقا غليظا..
ونعرف من المشهد الأول.. الذي يظهر فيه موسى يكلم ربه بالوادي المقدس طوى.. أن الله قد أخذ العهد على موسى هناك.. وأن الله لبى له ما دعاه.. وأيده بأخيه هارون نبيا..

وفي اللقطة الثانية.. من “حياة موسى”.. تقول سورة الأحزاب – الآية 69.. ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ.. فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ۚ .. وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا “..
يقول تفسير السعدي.. أن يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.. وعملوا بشرعه.. لا تؤذوا رسول الله بقول أو فعل.. ولا تكونوا أمثل بني إسرائيل الذين آذوا نبيَّ الله موسى.. فبرَّأه الله مما قالوا فيه من الكذب والزور.. وأنه كان موسى عليه الصلاة والسلام منزها عند الله عظيم القدر والجاه..
ويقول القرطبي في هذه الآية.. في أذية بني إسرائيل.. وهي المذكورة في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
” كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض.. وكان موسى -صلى الله عليه وسلم- يغتسل وحده.. فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر.. فذهب مرة يغتسل.. فوضع ثيابه على صخرة..
ففر الحجر بثوبه.. فخرج موسى في أثره يقول: ثوبي يا حجر.. حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى..
فقالوا: والله ما بموسى من بأسٍ”..
والآدر هو: منتفخ الخصيتين.. وقيل: إن أذيتهم له أنهم اتهموه بأنه قتل هارون -عليه السلام-.. فأظهر الله لهم آية تبرؤه من ذلك…

.. أراكم في حلقة قادمة إن شاء الله..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى