الإخراج الفني في النص القرآني..”حياة موسى” على شاشة القرآن.. ( 37 ).. في موسى ورسالته – 25المشاهد المحورية.. ما دار بين موسى وفرعون.. من سورة غافر..

الإخراج الفني في النص القرآني
الإخراج الفني في النص القرآني

” إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ” .. سورة غافر (51)


…… وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23)
إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ..- فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24)
…. فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ.. وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ…
…. وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25) ..
… وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى.. وَلْيَدْعُ رَبَّهُ.. إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ.. أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26) …
…. وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) ..

تقدم سورة “غافر” جوانب عديدة تضيف إلى “حياة موسى” الكثير من التفصيل.. ونتذاكر هنا
في مقدمة لأحداث سورة “غافر” بإن القرآن الكريم يختصر ذلك القدر من الوصف الذي يعبر به الإنسان عادة عن تفاصيل الأحداث المحيطة بعقدة أي قصة أو عمل الفني.. والسبب بسيط.. لأن هذه الأحداث العظيمة والمعجزات الهائلة هي هينة عند الله.. وإن كانت فرق البحر..فهو يقول سبحانه للشييء كن فيكون..” بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ”.. سورة البقرة (117)..
قالتها الملائكة لزكريا.. ” قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا…”..
وقالها جبريل لمريم.. ” قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا…”.. سورة مريم (9) و (21) على الترتيب..
فهو كتاب للدعوة.. يفصل آيات الدعوة إلى الله.. وحدانيته وقدرته.. وعباداته وتعاليمه.. فهي ما تستغرق من النص ما نسميه ببشريتنا (بالجهد الأعظم) .. ولله المثل الأعلى.. وسنلحظ ذلك جليا في الإنتقال من مشاهد القصة في سورة غافر إلى مشاهد سورة الصافات.. والحديث يتصل عن الكتاب.. حتى اقترن إسم موسى بالكناب في عشرة آيات من القرأن.. كما تفدم في مقدمة هذه الحلقات..

يترك القرآن الكريم للقاريء تخيل كيف كان قصر فرعون.. بمداخله وأبهته وقاعاته.. إن الحوار الذي سيدور بين أبطال القصة سيتكفل بإبراز تفاصيل اللقاء.. إنه أحد أهم المشاهد في تاريخ الدعوة إلى الله.. تنقل كاميرات وصوتيات سورة غافر جانبا جديدا منه..
وعلى خشبة المسرح- حيث تضيء الأضواء قاعة العرش المترامية الأطراف- في قصر منيف تحيطه زروع ومقام كريم..

إن “غافر” تضيف للقصة هنا كيف كانت الأمور تدار في مصر على يد فرعون وملأه.. الأضواء مسلطة عليه وحده.. إن فرعون وحده هو المتكلم من جانب واحد هنا.. لم يعارضه أو يرده أحد.. لا أحد يرى إلا ما يرى فرعون.. لكننا نعرف من الحوار الدائر بين هذه النخبة من ملأ فرعون وحاشته ونجوم بلاطه أننا نعيش في أجواء تعذيب فرعون وملأه بني إسرائيل.. أجواء قتلهم لإبنائهم واستحيائهم نساءهم.. إنه تدبير أهل الضلال لإذلال موسى وهارون وإخضاعهم لسلطان الطاغية.. لكن سورة “غافر” تبشر المؤمنين بإن تدبير كل الطواغيت إلى زوال وأن الله ناصر المؤمنين لا محالة.. وأن تدبير كل الطغاة ضلال مصيره النار وبئس المصير..

سرعان ما يعود المشهد.. يترك السرد وصف الثياب والحلي.. والسلاح والرماح وهمهمة الحرس
ولابد أنه يتصدر القاعة فرعون في أبهته وصلفه جالسا على العرش وسط حاشيته.. إن هامان وقارون ووجهاء القوم هناك يقفان في المواجهة إلى جواره.. لم يقدم القرآن كثيرا عن شخصية “هامان” الذي كان يقوم بدور القائد والمهندس لدى فرعون.. بينما قدم “قارون” بالتفصيل الكافي الذي يبرز دوره بين بني إسرائيل – وهم قومه – وبين آل فرعون الذين كان يتملقهم..
يبدو نبي الله موسى وإلى جواره نبي الله هارون في مواجهة القوم جميعا.. إنهما ثابتي الجأش.. يحاور موسى فرعون بقوة ويقيم عليه الحجة ويلجمه بآيات الله وبما وهبه الله من معجزات..
إنه السلطان الظاهر للعيان الذي لم يستطع معه فرعون أن يمد طغيانه لينال منهما..

نقلت سور القرآن المختلفة كيف دارت جوانب من الحوار التاريخي.. تكمل كاميرات “غافر”..

  • إن فرعون ينكر نبوة موسى ويذهب إلى اتهامه بالسحر.. إنه ذات الإتهام الذي يفر إليه كل الطواغيت والملأ دوما على مدى عمر البشرية.. إنه يتهم موسى بالقيام بأعمال السحر..
  • إن الأمر لا يتوقف عند إنكار الدعوة.. وإنكار وجود الله.. بل إنه يدبر لقتل موسى بالرغم من كل الآيات والمعجزات التي أتاهم بها وأجراها الله على يديه.. إنه يستهين بدعاء موسى عليه.. هو يدرك مدى قوة موسى متسلحا بسلطان ربه.. لكنه يستكبر ويجحد الحق..

وتقدم سورة غافر- على لسان فرعون- النموذج المتكرر لإستخدام الطغاة للإعلام على مر العصور.. إن فرعون يقوم بمشهد استعراضي كبير على خشبة المسرح بشبه ما نسميه اليوم “استعراض العضلات” تماما مثلما يفعل المصارعون في الساحات.. إنه يهتف بصوت جلي في ادعاء كاذب أن اتركوني أقتل موسى.. وليريني ماذا سيفعل ربه بي.. أو ربما توجه لربه بالدعاء علي.. والله مغرقه وقاتله لكنه لا يعلم بعد.. إنه يحذر قومه الذين استخف بهم من عاقبة دعوة موسى.. ويدعي أن الإيمان بالله سيظهر في الأرض الفساد.. إنه المنطق الهزيل الذي لا يزيد فرعون إلا جحود الحق.
يقول الشيخ منتصر الكتاني: (على عادة الحاكم الظالم عندما يعجز عن الدليل والبرهان يرجع إلى سلطته وقوته، فيحاول أن ينتقم من الضعاف، ولكنهم وإن كانوا ضعافاً في الأبدان والمال إلا أنهم أقوياء وأعزاء بالله، ويأبى الله إلا أن يعز من اعتز به، وأن يذل من انتصر بغيره، فمن اعتز بالله عز، ومن انتصر بغيره ذل.. قال فرعون: وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ [غافر:26] معناه: أنه قد كان آمن بعضهم وكتم إيمانه، وهذا ما سيقوله الله لنا، فعندما أراد فرعون أن يقتل موسى وهو يعتبره ولده، حيث نشأ في بيته وقد عقه وقام في وجهه، فقال رجل مؤمن يكتم إيمانه: يا فرعون! أتقتل هذا وهو يدعي النبوة؟! قد يدعو عليك وعلى دولتك وسلطانك، فلا يبعد أن يستجيب الله له، فقال لهم فرعون: (ذروني) أي: دعوني واتركوني ولا تخالفوني ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ [غافر:26] أي: من عسى أن يدعوه؟ ومن هو هذا الرب؟ ألست أنا ربكم الأعلى؟ قال ذلك هذا الضال المضل الأخرق المجنون.)..

مازلنا في حاشية فرعون وفي بلاطه.. إن فرعون يستعرض قوته ويتحدى موسى وهارون أن باستطاعته أن ينال من الله إن هو صعد إلى قمة صرح يتجه إلى السماء..
هو يعرف إذا أن الله هناك رغم أنه ينكره.. يبلغ الكبر برعون هنا مداه.. سيقاتل الله.. اقرأ من غافر (36 – 37).. -” وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) ..
أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ.. فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى.. وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا.!
… وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ.. وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ.. وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37)”…
إن القرآن يسخر من فرعون ومن كذبه.. إن أسوأ ما يفعل إنسان كاذب أن يدخل صراعا وتحديا بينما هو يعلم يقينا أنه يكذب.. حتى يصدق نفسه.. فتكون الهلكة المحتومة هي المصير.. لقد وصل الضلال بفرعون إلى درجة أن يغلق الله عليه باب التوبة.. أن يملأ جبريل فم فرعون فيمنعه أن ينطق بالشهادة الحقة بينما هو يغرق.. إن الآيات تجسد مكر فرعون وكذبه وكأن كيده قد حبس ومنع عنه إلى الأبد.. يقول التفسير الميسر: (وقال فرعون مكذِّبًا لموسى في دعوته إلى الإقرار برب العالمين والتسليم له: يا هامان ابْنِ لي بنًاء عظيمًا؛ لعلي أبلغ أبواب السماوات وما يوصلني إليها.. فأنظر إلى إله موسى بنفسي.. وإني لأظن موسى كاذبًا في دعواه أن لنا ربًا.. وأنه فوق السماوات.. وهكذا زُيَّن لفرعون عمله السيِّئ فرآه حسنًا.. وصُدَّ عن سبيل الحق؛ بسبب الباطل الذي زُيِّن له.. وما احتيال فرعون وتدبيره لإيهام الناس أنه محق.. وموسى مبطل إلا في خسار وبوار.. لا يفيده إلا الشقاء في الدنيا والآخرة)
ثم يختتم موسى المشهد.. تدور كل كاميرات “غافر” إليه.. إنه يتجه إلى ربه بالدعاء بصوت جهري.. إنه يدعو ربه وربهم ويسمعهم الشهادة لله.. يستعيذ بالله من شر فرعون ومن شر كل مشرك يعضده.. ومن كل منكر ليوم الحساب

إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) ..
… يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ.. وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52) ..
… وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (53) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (54)..
… فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.. وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ.. وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (55)”….
تعود “غافر” لتستكمل جانبا من “حياة موسى”.. إن القاعدة الذهبية في الصراع الأزلي بين الخير والشر في القصص القرآني أن الله ناصر رسله.. إنهم يعانون حتى إذا استيأسوا وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم النصر من عند الله.. فينجي الله من يشاء ولا ترد قوته عن الظالمين.. وأن مصير الظالمين إلى جهنم يوم القيامة.. يوم يسجل المشهد اعتذار الظالمين فلا يقبل منهم.. يوم تلعنهم السماء والأرض وكل الخلائق.. يوم يكون مصيرهم إلى أسوأ مقام وأشد عذاب.. وكأنها مقدمة حميدة لاستعراض باقي نصيب “غافر” من “حياة موسى”..
إن غافر تسجل لموسى جانبا مضيئا من لحظات تكليفه بالدعوة.. وذهابه إلى ميقات ربه.. وكيف أن الله قد آتاه التوراة حينها.. ثم أورث بني إسرائيل في نورها سنته وتعاليمه.. كان هذا هو الغرض من هذا الميقات.. ثم أن يظل الكتاب السماوي نبراسا وتذكرة لكل عاقل يعي الدرس ويستوعب المنهاج ويسير على هديه..
ثم تأتي بالتزييل الذي يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهدف المنشود من قص هذه القصص عليه.. إن الله يذكر بإن وعده الصدق.. وعده الحق.. ويأمره بالصبر وبالإستغفار وبطول الدعاء وبالحمد لله على تعاقب الليل والنهار.. وبالشكر له..
بل إن الأمر والنهي لنا جميعا…. … ستار غافر….

نراكم غدا إن شاء الله..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى