الإخراج الفني في النص القرآني..”حياة موسى” على شاشة القرآن.. ( 40).. في موسى ورسالته– 28….
الإخراج الفني في النص القرآني..
“حياة موسى” على شاشة القرآن.. ( 40).. في موسى ورسالته– 28….
م.مجدي سالم

المشاهد المحورية.. من بيان ما بين موسى وفرعون.. تسجيلات سورة الأحقاف..
” وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ” النمل (14) ..
- إن هذا القرآن هو ذات الكتاب البليغ غاية البلاغة.. تحدى الله البشرية أن يأتوا بآية من مثله..
- وهو الكتاب بديع التصوير والسيناريو والحوار.. ينقل قصصه إلى البشرية الإخراج المعجز..
- هو كتاب جاء في غرض واحد في النهاية.. جاء للدعوة إلى الله.. ترى هذا في كل آية..
- وهو كتاب سماوي مصدق لما سبق أن جاء به موسى وعيسى والأنبياء من قبلهم..
تقول سورة البقرة.. ” قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137)”..
ولقد جاءت سورة الأحقاف لتجدد هذا الإيمان بالكتاب المبين..
ولتصف موقف الكافرين من الكتاب على مر العصور..
إن المشركين المتباهين بعقولهم.. وبقدرتهم المزعومة على التمييز بين ما هو خير لهم وما هو شر لهم.. يقولون أنهم كانوا ليسبقوا المؤمنين إلى التصديق بالقرآن لو استيقنوا أن فيه خير لهم..
تماما كما فعل بنو إسرائيل مع سيدنا موسى من قبل حين جاءهم بالتوراة.. ورغم أن الإنجيل ومن بعده القرآن جاءا مصدقين للتوراة.. ورغم أن القرآن جاء كتابا عربيا بلغتهم ومعجزا لهم..
أولا.. تقول سورة الأحقاف – الآييتين (11 -12)..
- ” وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ..
- وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ.. فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11) ..
- وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ
- وَهَٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا
- وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ (12)”..
تقف كاميرات وصوتيات سورة الأحقاف- في مشهد خارجي- حيث يجتمع المشركون في نواديهم وتجمعاتهم المختلفة.. تتعالى أصواتهم بادعاء العلم وادعاء الحكمة.. فيتنزل جبريل بالآيات من سورة الأحقاف.. ويصلهم الرد على لسانه صلى الله عليه وسلم.. إن القرآن يفحمهم..
فالتسجيلات في سورة الأحقاف تنتقل من الماضي السحيق من عهد نبي الله موسى.. حتى تتصل بالحاضر في حياة نبينا صلى الله عليه وسلم.. ثم تقف عند شرك الذين كفروا وجحدوا نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وعند قولهم للذين آمنوا أن لو كان تصديقهم محمدًا وبما جاء به خيرًا لما سبقتمونا إلى التصديق به..
ويخاطب القرآن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهيا هذه المواجهة.. يقول فإذا لم يهتدوا بالقرآن ولم يصدقوا به.. وإذا لم ينتفعوا بما فيه من الحق.. فسيقولون إن هذا كذب.. أو أنه ضرب من أساطير الأولين أو قول مأثور منقول من أقوال الأقدمين.. يقولون هذا رغم يقينهم أن الله أنزل قبل هذا القرآن كتابا سماويا- أي التوراة- وقد كانت إمامًا لبني إسرائيل يقتدون بها.. وكانت رحمة ونورا وهداية لمن آمن بها وعمل بما فيها..
ولقد جاء هذا القرآن مصدقا لما قبله من الكتب.. أنزله الله بلسان عربي مبين.. لينذر الذين ظلموا أنفسهم واستمسكوا بالكفر وبالشرك وبالمعصية.. ولقد جاء بالبشرى للذين أطاعوا الله.. فأحسنوا في إيمانهم وطاعتهم في الدنيا..
أنظر كيف يستخدم القرآن الكريم الحوار كوسيلة لنقل ما جرى من صراع بين الشرك والإيمان.. لنقل أحداث القصص القرآني.. على الرغم من إنكار النقاد ومن يكتبون القصة اليوم لهذا الأسلوب في السرد.. اللهم إلا في الكتابة للمسرح..
ويأتي التذكير في الأحقاف بهذا القرآن العربي الذي جاء بأسلوب لغوي نثري لم يعرفه العرب من قبل.. وكانوا لا يعرفون إلا قرض الشعر بل كانوا يتبارون فيه في أنديتهم.. وكانوا يعلقون نتاج مواسمهم وأسواقهم في عكاظ وغيرها على أستار الكعبة.. ولقد تحداهم أن يأتوا بسورة أو حتى بآية من مثله فما استطاعوا.. ولا استطاع الذين جاءوا من بعدهم إلى يومنا هذا وإلى قيام الساعة..
كما تذكر سورة الأحقاف بالتوراة اوقد أنزلها الله رحمة بالبشر- من قبل أن ينزل القرآن- فاختلف في شريعتها بنو إسرائيل وأفرغوها من محتواها وأخفوها في الخزائن.. وأوضعوا ما أسموه بالتلمود الذي شرعوا فيه ما يريدون وتركوا ما لا يريدون.. كما تقدم..
ثانيا.. انتقلت سورة الأحقاف إلى ما كان من الجن مع القرآن.. الذي جاء بعد توراة موسى..
لم نعرف أين جرى هذا الحدث لكن موضع المسرح هنا لا يهم.. يبدأ المشهد باجتماع بعض من أفراد الجن إلى موضعه حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو آيات من القرآن الكريم.. كان بعضهم يلغوا في البداية حتى بدأ صلى الله عليه وسلم الترتيل المبارك.. كان القرآن حديثا بالنسبة لهم.. لكنهم سرعان ما تنادوا أن أنصتوا.. فيقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن فينصتوا.. وينصتوا حتى فرغ نبي الله.. فهمت عقولهم.. تهتز مشاعرهم فيشهروا إسلامهم.. وينطلقوا إلى إخوانهم ليبشرونهم.. ويدعوهم إلى الإسلام..
ولم يحدد القرآن الكريم أين كان مسرح هذا الجزء الأخير من الأحداث أيضا.. بل ترك للقاريء أن يختار موضعا يناسب تفهمه لطبيعة حوار الجن مع بعضهم البعض..
تقول سورة الأحقاف في الآيات (29 – 33) ..
” وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ..
- قَالُوا أَنْصِتُوا..
- فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29)..
- قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) ..
- يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّـهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)
- وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّـهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ ۚ أُولَـٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (٣٢)…
ويلاحظ الدارس هنا أن الجن قد قالوا أن القرآن قد أتى من بعد ما جاء به موسى عليه الصلاة والسلام من التوراة.. ولم يذكروا ما جاء به عيسى بن مريم في الإنجيل.. وذلك لإن التوراة كانت كتاب دعوة وتشريع كامل.. بينما جاء الإنجيل مفصلا ومبينا وهاديا.. ومصدقا للتوراة.. وسمى الله الإنجيل في عدة آيات (بالبينات).. نتذاكر من جديد: - تقول سورة البقرة – الآية (87).. ” وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ”..
- وتقول سورة المائدة – الآية (46).. ” وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ”..
ومرة ومرات.. يذكرنا القرآن بإن نزول الكتاب على موسى كان الحدث الأهم في “حياة موسى”.. بعيدا عن مولده وعن الصراعات والأحداث والمعجزات في حياته.. القرآن كتاب دعوة وهذا هو الغرض الرئيسي فيه..
.. أراكم في حلقة قادمة إن شاء الله..