الإخراج الفني في النص القرآني..”حياة موسى” على شاشة القرآن.. ( 40 ).. في موسى ورسالته – 28

….. ” وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى.!؟”… من سورة طه…..

تكاد الذاريات تصور أحد المشاهد الرئيسية والتي تعتبر جزءا من العمود الفقري “لحياة موسى”.. في تتابع خاطف.. إنها المشاهد التي تعبر عما يهم الدعوة في المقام الأول..

  • فقد رفض فرعون أن يعلن أو أنيجهر بالإيمان بالله وبصدق دعوة موسى وهارون رغم أنه كان على يقين أنها الحق في قرارة نفسه.. كان يجحد الحق لإنها كانت لتنقض إدعاءه الألوهية..
  • وساق وراءه حاشيته وأطاعه قومه في حين استند إلى قوته وجنده وحاشيته.. لقد تولى بركنه..
  • وادعى أمام الناس أن موسى ساحر.. أو مجنون.. كعادة كل الطغاة وملأهم.. إنه الإتهام التقليدي الذي يبهت به الطغاة كل الأنبياء..

إن الأسلوب هنا يبدأ خبريًا حيث يقص فيه القرآن كيف أعد الله سيدنا موسى للقاء فرعون.. وكيف أنه سبحانه قد جعل لموسى ولهارون سلطانا.. فلا تصل يد فرعون بالأذى إليهما..

  • وكيف زودهما الله بالمعجزات آيات إلى فرعون وبلاطه لعلهم يسلمون.. لعلهم يؤدون بني إسرائيل حقهم وأن يرسلوهم مع نبي الله إلى حيث يجدون حريتهم..
  • ثم تعود الذاريات لتستعين بالحوار الذي دار في الحدث في قلب السرد.. فتروي ملخص ما دار على مسرح الأحداث في بلاط فرعون.. وكأن من شهد هذا المشهد قد شاهد كل هذا الفصل..
  • فما تلبث أن تقرر الذاريات أن الله قد أراد أن يسرد الأحداث على رسول الله صلى الله عليه وسلم.. لتقويه الموعظة وتزيد من جلده وصبره.. ولتشد أزره.. ولتسري عنه ..

لنقرأ هذا السيناريو الرائع من سورة الذاريات – الآيات (38 – 40):
….. وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38)..
…. فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ….

  • وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) …
    ….. فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40) …..

ثم تعود الذاريات إلينا بالآية الكبرى في “حياة موسى”.. مشهد خارجي رائع ينقل للدارس على شاشات القرآن كيف فرق الله البحر لموسى ولبني إسرائيل معه.. وتنقل إلينا وقائع حدث إغراق فرعون وجنوده في أهون الماء بالقرب من البر.. ثم تعود بنا الذاريات لتنقل بعدها ما كان من نجاة موسى وبني إسرائيل معه..
وانظر إلى التعبيرات القرآنية المعجزة تروي الحدث في ألفاظ مقتضبة فيتجسد أمامك:

  • فأخذناه.. تصف كيف سلبه الله وجنوده الإرادة تماما.. مثلما تمتد يد الإنسان لتأخذ جمادا..
  • فنبذناهم.. أي ألقيناهم في الماء إلقاء.. فكانوا كجلاميد الصخر أو كغثاء السيل..
  • في اليم.. وكأن الماء الذي انشطر نصفين أو فرقين.. فكان كل فرق كالطود العظيم.. فكأن البحر كان عند الله مجرد يم.. أو ماء ضحل راكد..
  • وهو مليم.. يقول التفسير الميسر.. فأخذنا فرعون وجنوده.. فطرحناهم في البحر.. وهو آتٍ ما يلام عليه؛ بسبب كفره وجحوده وفجوره..

إن العديد من الأعمال الفنية التي يقال أن السيناريو الخاص بها منقول من كتب السالفين ومن التوراة قد قدمت هذا الجانب من القصة وكأنه نهاية المطاف.. وكأنه قد تحرر بنو إسرائيل على يد موسى.. ثم تصدح الألحان تتغنى بالحرية وما يتحقق للإنسان إن هو آمن..
لكن الحقيقة أنهم قد انقضوا بعدها على موسى بآيات الشرك وصنوفه.. وبالعناد وبطر النعمة..

بينما قدم القرآن هذه الأحداث وكأنها شيء عابر في “حياة موسى”.. وأن معجزة فرق البحر الهائلة ونجاة بني إسرائيل.. ثم هلاك فرعون وجنده وحاشيته كانت ثمثل أهم عناصر القصة.. بينما هي كلها الهينة على الله.. وهي التي كان موسى يبدأ بعد كل منها معاناة ونضالا جديدا مع بني إسرائيل..
ولقد روت الفصول المتتالية من “حياة موسى” على مسرح الأحداث أو على شاشات العرض في قصص القرآن المختلفة التي صورت ما جرى على أرض سيناء.. وحتى حدود الأرض المقدسة.. كيف تعددت معانات موسى وهارون من جهل بني إسرائيل ومن صلفهم وتكبرهم وشركهم.. وجحودهم الحق الذي جاء به.. وكفرهم بكتابه.. واختلافهم عليه وتحريفهم له.. وتفريغ الدين فيما بعد من مضمونه..
وفيها تقول مشاهد من سورة الأنفال.. وهي بعض التي جاءت على ذكر مصير فرعون:

  • ”كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ۙ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّـهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّـهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ إِنَّ اللَّـهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٥٢﴾ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٥٣﴾ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ۙ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ ۚ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ ﴿٥٤﴾”..

ولقد جاء سيدنا عيسى ابن مريم برسالته من بعد موسى.. جاء بالإنجيل مصدقا للتوراة.. وليحل لبني إسرائيل بعض ما حرم عليهم.. فتآمروا عليه.. واستصدروا أمرا من الحاكم الروماني لصلبه.. ولم يكن حظ الإنجيل في نهاية المطاف أفضل من حظ التوراة لديهم..

ولقد عرفت البشرية جميعا وقتها ومن بعدها بما جاء في صحف موسى وفي توراته..

ويلاحظ الدارس أن اليهود الذين عاشوا في الجزيرة العربية وحول المدينة المنورة.. لم يبذلوا أي جهد يذكر للدعوة إلى اعتناق اليهودية.. بل أنهم كانوا ينتظرون ظهور النبي المنتظر المكتوب عندهم في التوراة.. والذي كانوا يعرفون أنه جاء التبشير به على لسان عيسى ابن مريم.. فلما بعث الله نبينا محمد صلوات ربي وسلامه عليه كفروا به.. وتآمروا عليه.. ولقد ظل القرآن الكريم يذكر العرب وأهل الكتاب دوما بما جاء به إبراهيم وموسى في صحفهما..

أراكم غدا إن شاء الله..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى