الإخراج الفني في النص القرآني..”حياة موسى” على شاشة القرآن.. ( 30 ).. في موسى ورسالته – 18

المشاهد المحورية.. بين موسى وربه.. وموسى وفرعون.. تسجيلات سورة القصص..
نعيد نشر هذه الحلقة.. خشية أن نكون قد تخطيناها مع استعجال العودة

نستمر.. فنقدم السيناريو أولا.. رواية الأحداث والحوار من الآيات الكريمة.. دون تعليق منا..
المشهد الثالث.. موسى في مدين..
(إيه يا سورة القصص)………….

…. فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ….

  • قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21)..
  • وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ.. قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22) ..
    ….. وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ.. وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ..
  • قَالَ مَا خَطْبُكُمَا…؟
  • قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ.. وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) ..
    ….. فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ ….
  • فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) ..
    …… فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ…..
  • قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا……..

} أنظر إلى دقة التعبير في كل لفظة أو حرف في الآيات.. إنه (يترقب) يدعو ربه (بجني) من (الظالمين) و لما (توجه تلقاء.. أي وجهه إليها الناس) قال لعل الله يهديني (سواء السبيل أي الطريق المستقيم) ولما (ورد أي ذهب ليشرب من البئر) وجد عليه (أمة أي أناسي كثيرة) من الناس يسقون غنمهم.. ووجد من (دونهم أي غيرهم) أمرئتين (تزودان أي تمنعان الغنم من الماء) فسألهما (ما خطبكما أي ماذا ألم بكم فتفعلون هذا) فقالتا لا نسقي حتى (يصدر أي يبتعد) الرعاء ونحن نقوم بالعمل لإن أبانا شيخ كبير……… إلخ{ ..

خرج موسى من مصر خائفا خالي الوفاض.. يتلفت خشية أن يدركه الظالمون والمتربصون به..
خرج موسى مذنبا يعد قاتلا.. لكنه كان تائبا بحق فتقبل الله منه.. وأعانه وهداه إلى مدينة مدين.. كان العطش قد ذهب به كل مذهب.. هداه الله إلى بئر الماء حيث تتجمع الناس.. كان للبئر جدار يحيطه ليحميه من عودة الماء إليه من الحوض الصغير الذي كان يحيط به.. فكان الواردون يستخرجون الماء من البئر إلى الحوض الذي كان بدوره وكأنه حفرة غير عميقة في الأرض تحيط بالبئر.. فكان الغنم يشرب من هذا الحوض..
لم ينتبه له أحد.. فالكل يعمل وكل همه أن يسبق الآخرين فيسقى غنمه من ماء البئر ثم ينصرف.. إن جمعا من الناس هنا يستبقون.. ورغم حال موسى الذي لا يخفى على فطنة القاريء – وقد عبر هذه الصحراء الجرداء دون زاد أو ماء – إلا أن لاحظ أنه – من بين هذا الزحام – هناك فتاتين تقفان هناك بعيدا.. كان مستغربا أنهما تحبسان غنمهما أن تختلط وغنم القوم.. كان المشهد مثيرا للدهشة مما أثار حفيظة موسى.. إقترب منهما في أدب الأنبياء وسأل.. لماذا لا تسقيان مثل باقي الناس.؟ ماذا بكما.؟ .. كان السائل شابا غريبا عن المكان عليه آثار السفر..
أجابته إحداهما في اقتضاب.. إنهما تخشيان الإختلاط بالرعاة.. تحفظان أنوثتهما.. تنتظران حتي ينتهي الجميع ثم تسقيان غنمهما دون الإحتكاك بأحد.. فهذا منتهى قوتهما.. وليس لديهما من يقوم بذلك بدلا عنهما.. فأبوهما هو كل من لهما.. وهو شيخ كبير لا يستطيع القيام بالعمل.. وهو قعيد منذ سنوات..
عندها لم يتوان موسى – بنخوته – أن يتقدم لمساعدتهما وقد رق لهما قلبه..
كان قويا ماهرا.. لم يستغرق الأمر منه كثيرا حتى يقوم بالعمل ويسبق باقي الرعاة إلى السقي لغنم الفتاتين.. تقول الروايات أن موسى كان قادرا وحده على تحريك غطاء البئر الذي يحتاج إلى العصبة من الرجال لتحريكه.. أزاح الغطاء بحيث تصل أغنامهما إلى الماء قبل الباقين..
فلما انتهى موسى إنسحب إلى الجوار في أدب جم.. راح ليستريح بعيدا إلى الظل.. لم يمن عليهما بفعله ولم ينتظر أجرا.. فهو ما كان لينتظر أجرا..
كان قد بلغ به تعب العمل فوق تعب السفر ونال منه الجوع مبلغه.. ارتشف بعض الماء.. استلقى على العشب ورفع وجهه إلى السماء.. شعر بالحاجة إلى أسباب النجاة وأنه لن يقيمه من عثرته إلا الله.. – قال: رب إني لنا أنزلت إلي من خير فقير… لن يقيم أودي ووحدتي واغترابي سواك.. فلا طعام ولا مأوى ولا قريب ولا مجيب سواك..
هكذا آل حاله إلى الفاقة.. وشدة العوز.. وكان حتى الأمس القريب يعيش في قصر فرعون حياة الأمراء.. وكان أدنى همه هناك الطعام والماء.. كان وليس له إلا ربه يناجيه ويناديه ويدعوه.. وقد بدأت الشمس تميل إلى الغروب.. ولا يعرف حتى أين سيقضي الليل ولا أين يجد طعاما.. ولا أين قي هذا المكان الذي ليس به سوى بئر الماء سيبيت.. فما كان لمن له سمات الأمراء أن يمد يده إلى أحد يستجدي طعاما أو مأوى.. لكن وارف الظل وهبه بعض الراخة فاستلقى هناك.. ليس هناك ما يفعله الآن.. ولا حتى الإنتظار..

مالت عينا موسى إلى النعاس.. لكنه استفاق على صوت أقدام وحفيف نعال على ورق الشجر المتناثر قريبا من مكانه.. إنهما ذات الفتاتين قد عادتا إليه.. تقدمت إحداهما إليه في خطوات قصيرة.. دنت منه على إستحياء وقد سبقت أختها إليه.. قالت في عذوبة غير مفتعلة ورقة:

  • إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا..

هل تعيشون معي هذه المشاعر الشديدة الرقة التي وهبني إياها القرآن في بضع آيات ومن كلمات قصيرة.. لكنها تصيب القلب في نياطه.. ؟

أراكم في الحلقة القادمة إن شاء الله..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى