الإخراج الفني في النص القرآني : “حياة موسى” على شاشة القرآن.. ( 33 ).. في موسى ورسالته – 21
الإخراج الفني في النص القرآني..
“حياة موسى” على شاشة القرآن.. ( 33 ).. في موسى ورسالته – 21
المشاهد المحورية.. موسى يصل إلى مصر.. ويبدأ بالدعوة..
من تسجيلات سورة القصص..
مجدي سالم
نستمر.. فنقدم السيناريو أولا.. برواية الأحداث والحوار من الآيات الكريمة.. دون تعليق منا..
المشهد الخامس.. في قصر فرعون.. لكن بوجه جديد..
….. فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ..
- قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى.. وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (36) ..
- وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ.. وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ.. إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37) ..
- وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي..
- فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ.. فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا.. لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى..
- وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) ..
…. وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ.. بِغَيْرِ الْحَقِّ.. وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) ..
نحن أمام مسرح حدوده باتساع البلاط الملكي..
كل أبطال المسرحية هنا.. يبدو فرعون على عرش عظيم وحوله حرسه الذين لابد أنهم بأعداد كبيرة ومدججين بالسلاح..
قاعة العرش ممتلأة عن بكرة أبيها بالملأ الأعلى.. أقطاب الشر من الوزراء يتقدمهم هامان.. ومعهم وجهاء مصر الذين يشكلون القوام الرئيسي للبلاط الملكي..
هنا يواجه موسى وهارون كل هؤلاء بأيد خالية إلا من سلطان الله..
يدعو موسى كل الحضور ومن خلفهم شعوب الأرض إلى توحيد الله.. إلها واحدا لا شريك له..
يدعي فرعون.. على الوجه الآخر أنه الرب الأعلى.. إنه يستخف بكل هؤلاء بل بكل من خلفهم.. إنهم يبدون كل التأييد ويدعون فرعون إلى الفتك بموسى وبهارون وبالإستمرار الغاشم في استعباد بني إسرائيل.. نحن أمام المشهد الرئيسي في هذا الفصل.. إن كاميرات سورة القصص تنقل من زوايا القاعة والبهو الهائل الحركة والحوار بالتفصيل الذي خصصت له سورة القصص..
أنظر أيضا كيف أخرج القرآن الكريم الأحداث التي تهم الدعوة إلى الله.. في طيات عمل أدبي وفني رفيع.؟
إنك ترى الأحداث هنا وكأنها عمل مسرحي يعتمد على الحوار بين أبطال العمل.. ليروي تقدم الأحداث من جهة.. وليقدم للدارس موقف كل فئة من البشر.. وليرسم ملامح الشخصيات رسما دقيقا ثم ليقدم العظة من جهة أخرى.. وليهب نبي الله صلى الله عليه وسلم من نماذج التاريخ ما يثبت فؤاده.. بقول الله في سورة هود بعد أن قص قصة نوح عليه السلام.. من سورة هود – الآية 49 ..” تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ”..
عاد موسى إلى قصر فرعون من جديد ولكنه عاد هذه المرة بآيات ربه وبمعجزاته داعيا إلى توحيد الله وإلى تحرير بني إسرائيل من استعباد فرعون لهم ومن استحياء نسائهم..
وحدث ما كان متوقعا من فرعون وملئه.. ورغم أن المعجزات كانت عظيمة لا ينكرها إلا جاحد.. إلا أن الرد كان ذات المتكرر في جميع العصور.. وكان هذه المرة من نصيب موسى وهارون إبني عمران.. فقد قال فرعون وحاشيته إن هذا إلا سحر مفترى مختلق مبين..
إنه الرد السحري السهل لمواجهة الحجة الداحضة ولرفض دعوة كل نبي.. من آدم عليه الصلاة والسلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم..
والعجيب أن كل المشركين في كل العصور يحتجون بإنهم يعبدون ما كان يعبد أباؤهم..
فمن قال أن آبائهم كانوا على الحق.؟ وأين يذهب كل المكذبون من وضوح الصراط المستقيم.؟
يقول التفسير الميسر أن رد موسى على فرعون قد لخصه القرآن في هذه الآيات من سورة القصص: أنه قال موسى إن ربي أعلم بالمحقِّ منَّا الذي جاء بالرشاد من عنده.. ومَن الذي له العقبى المحمودة في الدار الآخرة.. إنه لا يظفر الظالمون بمطلوبهم..
فقال فرعون لأشراف قومه: يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري يستحق العبادة.. فأشْعِل لي -يا هامان- على الطين نارًا.. حتى يشتد.. وابْنِ لي بناء عاليًا.. لعلي أنظر إلى معبود موسى الذي يعبده ويدعو إلى عبادته.. وإني لأظنه فيما يقول من الكاذبين.. فكان صرح هامان الذي نراه في الأقصر في منطقة تسمى “الكوم الأحمر”.. وتقع جنوب شرق معبد الكرنك.. حيث يوجد بقايا بناء من الطوب الأحمر متراصة فوق بعضها بطريقة تشبه عمل قمائن الطوب الأحمر..
وتقول الوايات أن فرعون راح يرمي بسهامه في الهواء.. فوق ذاك البناء الذي شيده له هامان.. يقول القرطبي: وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري.. وكذب عدو الله بل علم أن له ثم ربا هو خالقه وخالق قومه ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله.. قال : فأوقد لي يا هامان على الطين أي اطبخ لي الآجر.. فعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال قتادة:
(هو أول من صنع الآجر وبنى به ولما أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح جمع هامان العمال – قيل خمسين ألف بناء سوى الأتباع والأجراء – وأمر بطبخ الآجر والجص .. ونشر الخشب وضرب المسامير.. فبنوا ورفعوا البناء وشيدوه بحيث لم يبلغه بنيان منذ خلق الله السماوات والأرض.. فكان الباني لا يقدر أن يقوم على رأسه.. حتى أراد الله أن يفتنهم فيه..
وحكى السدي: أن فرعون صعد السطح ورمى بنشابة نحو السماء.. فرجعت متلطخة بدماء .. فقال قد قتلت إله موسى.. فروي أن جبريل عليه السلام بعثه الله تعالى عند مقالته .. فضرب الصرح بجناحه فقطعه ثلاث قطع ; قطعة على عسكر فرعون قتلت منهم ألف ألف .. وقطعة في البحر .. وقطعة في الغرب .. وهلك كل من عمل فيه) ..
هذا غير نار جهنم هي جزاء كفر فرعون وحاشيته وملئه بالقيامة..
ومن جهة أخرى فكان العجب أن موقف بني إسرائيل.. أي قوم موسى.. لم يكن ذلك الموقف المؤيد الذي يستطيع موسى أن يبني عليه جبهة صلبة في مواجهة فرعون.. فقد ذكر القرآن الكريم في سورة الأعراف – الآية 129 على لسانهم.. أنهم قالوا لنييهم موسى:
- ” قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ .. ..
- قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ”..
بل كان منهم الموقف الأسوأ في تاريخ البشرية.. حين تقاعسوا عن الجهاد في سبيل الله.. وعن دعوة سيدنا موسى لهم بدخول الأرض المقدسة.. تقول سورة المائدة – الآية (24) ..
” قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ” ..
أراكم في حلقة قادمة إن شاء الله..