الضاد الجميلة : شوقي و الامارة .. و التهافت على وراثة اللقب

تكاثرت على صفحات الفيس و غيرها استعمال البعض الشعارات الكبيرة التي أطلقها البعض على نفسه و شجعه عليها عدد من المجموعات الأدبية حيث بالغت كثيرا و دفعت الكثير من مدعي الشعر .. فأصبحنا نرى وفرة عظيمة من شهادات التقدير وشهادات الدكتوراه و اطلاق الألقاب الكبيرة لمن يستحق .. و لمن لا يستحق .. فأطلق البعض على نفسه.. شاعر العرب .. شيخ الشعراء .. سلطان الشعراء .. أمير الشعراء .. متنبي العصر ..الخ .. ما هنالك من ألقاب أصبحت ممجوجة و يلفظها عقل اللبيب
و الأكثر استغرابا أن تقوم مؤسسات دولية كبيرة و قنوات تلفازية بالبحث عن شاعر يحمل لقب أمير الشعراء أو البحث عمن يستحق أن يوضع تاج الامارة على رأسه مستعينة بالتصويت الالكتروني حتى غدا الأمر مهزلة كبيرة .
ما هكذا تورد الابل

ولعل من أوائل من بذل مجهودا جبارا في سبيل البحث عمن يحتل لقب شاعر العرب كانت قناة المستقلة التي يديرها مؤسسها التونسي الاستاذ محمد الهاشمي يرافقه مجموعة من كبار الشعراء و النقاد العرب كلجنة تحكيم .. و كان الفوز أخيرا من نصيب شاعر قدير محترم أعتقد هو الشاعر محمد المراد و أرجو أن يكون الاسم صحيحا حيث حصل على أكثرية الأصوات بالتصويت الالكتروني .

ربما كان يستحق الفوز و لكن ليس كشاعر العرب .. فهذا لقب كبير جدا لا يستحقه أي كان حتى وان كان امرؤ القيس على سبيل الفرض لوكان امرؤ القيس يعيش في زماننا هذا
و السؤال .. وماذا بعد .. أين هو صاحب اللقب أو من تم اختياره من قبل هذه المؤسسات الاعلامية ؟
لم نسمع بعدها بهم و لا بمن تم اختياره
من الجميل و الرائع أن تقوم عدد من المؤسسات الاعلامية و الأدبية و الفكرية بطرح مسابقات لأجمل قصيدة مثلا حول موضوع ما .. أما أن يطرح الأمر على أنه اختيار لشاعر العرب أو أمير الشعر .. فهو مهزلة غير معقولة و لا مقبولة .

ولا بد من القول

أن ما دفعني الى كتابة هذه المقالة .. حوار أعجبني و لفت نظري ما جاء فيه .. كانت أدارته اعلاميتنا الرائعة و الشاعرة الكبيرة .. ليلاس زرزور .. مع الشاعر السوري القدير المهندس فواز عابدون

وكان من جملة ما ورد في الحوار .. ما أطلقه البعض على نفسه من عبارات فضفاضة .. و توج بعضهم هامته بتيجان قصبية مرتديا ملابس الزعامة و الامارة الشعرية .. أقصد امارة الشعر ولقب البعض نفسه بألقاب

كبير الشعراء و سلطان الشعراء ومتنبي العصر ..وغيرها مما يثير الغثيان .. بحيث لم يجرأ عليه أحد من كبار الشعراء العرب منذ جاهليتهم حتى اليوم .

فعندما منح الشاعر الكبير احمد شوقي لقب ” امير الشعراء ” .. لم يكن يخلو عصره من شعراء قد لايقلون عنه شاعرية .. و لا مقدرة على امتلاك ناصية الحرف والقافية .. بل كانت الأمة العربية في وقته يعج فيها الشعراء الكبار .. كالأخطل الصغير و بدوي الجبل و حافظ ابراهيم و اسماعيل صبري و القائمة تطول …
و لكن .. لماذا أحمد شوقي بالذات .

و قد يتساءل البعض ولا شك أن الكثيرين منا قد تساءل ..

الى متى سيبقى هذا التاج على رأس أميره .. أحمد شوقي

ولقد سبق و ذكرنا أن عديدا من المؤسسات الثقافية و الأدبية ومنها أقنية تلفزيونية ومؤسسات علمية مرموقة.. كانت تبنت فكرة اختيار شخصية شعرية عربية و لمنحها لقب .. شاعر العرب .. و من بينها أقنية تلفزيونية مدعومة دوليا و ماليا و ثقافيا .. و أيضا عدد من المنتديات ومنصات التواصل الاجتماعي كانت و ما زالت تسعى لمثل هذا الاختيار .. الا أن جميع نتائجها كانت باهتة بل فاشلة و بالكاد سمع بها أحد

فقد نسيت هذه المؤسسات و المنتديات .. أنه ليست بهذه البساطة تدار الأمور .. و ليس الأمر بهذه السهولة التي يرونها .

و أرى .. و هذا رأي شخصي

أن جميع هذه المؤسسات قد فشلت فعلا .. و سيفشل غيرها ممن يقومون او سيقومون بمشروع ضخم كهذا .. ليس لعدم وجود قامات شعرية مستحقة .. اوعدم وجود شاعر كبير يصلح لحمل اللقب .. و انما لأسباب سنشرحها لاحقا و تفصيلا

و نتساءل ..

أليس من المستغرب أن لا يتم اختيار من يحمل هذا التاج الذي توج به رأس أحمد شوقي

و أين هم من عاصره أو من جاء من بعده .. أمثال ..

حافظ ابراهيم و بشارة الخوري و خليل مطران و عمر أبوريشة و بدوي الجبل ..و غيرهم .. وغيرهم الكثير

نعم

فالشعراء موجودون ما دامت هذه الأمة الكريمة و الكبيرة تتوالد و تنتج من عباقرة الشعر الكثير ..و طالما أن لغة الضاد هي من اللغات الحية لا يضاهيها لغة في العالم

انما الأمر ليس كذلك و ليس الاختيار بهذه السهولة التي يظنها البعض

نعم ان الذين منحوا شوقي هذا اللقب هم كبار الشعراء و اللغة في الوطن العربي ومن بينهم حافظ ابراهيم الذي ربما كان منافسا لشوقي و الذي بايعه بقوله :

أمير القوافي قد أتيت مبايعا … و هذي وفود الشرق قد بايعت معي

ومنهم الشاعر الكبير اسماعيل صبري باشا .. الذي خاطب شوقي قائلا :

شوقي جوّد بالشعر وقل … آمنت بأنك أوحده

و لو أننا رجعنا قليلا الى تاريخ الشعر و الأدب العربيين .. لرأينا أن أجدادنا العرب و منذ جاهليتهم وحتى اليوم مرورا بشعراء العهد الاسلامي الأول ثم شعراء العصر الأموي فالعباسي وما بعده .. لم يتفقوا اطلاقا على من هو أشعرهم ..

انما كانت هناك آراء متفرقة لم تتفق على شخصية معينة

حتى أصحاب المذهبات و المعلقات لم يتفق شعراء العرب القدامى على أي منهم

فمنهم من فضل امرأ القيس .. و منهم من فضل النابغة الذبياني و أخرون فضلوا زهيرا

فسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه .. كان يفضل النابغة على سائر الشعراء العرب .. بينما لبيد يرى في ذي القروح اشعرهم

أما الحطيئة فقال مجيبا على سؤال من هو بنظره أشعر الناس

النابغة اذا رهب .. و زهير اذا رغب

وقال في مقالة أخرى حينما وافته المنية

ان أشعر العرب هو الشماخ لقوله يصف القوس

اذا أنبض الرامون عنها ترنمت … ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز

أما عمرو بن العلاء فيعتبر طرفة بن العبد أشعرهم واحدة وهي معلقته

لخولة أطلال ببرقة ثهمد … تلوح كوشم الخد في ظاهر اليد

و قد قال بعض العلماء قديما :

ان امرأ القيس لم يتقدم الشعراء لأنه قال ما لم يقولوا .. و انما سبق الى أشياء فاستحسنها الشعراء ، و اتبعوه فيها .

وهو أول من لطّف المعاني ، و استوقف على الطلول ، ووصف النساء بالمها و الظباء بالبيض ، و شبه الخيل بالعقبان و العصي ، و فرق بين النسيب و ما سواه من القصيد ، و قرّب مأخذ الكلام ، فقيد الأوابد ، و أجاد الاستعارة و التشبيه .

أي لأن امرأ القيس الشاعر جاء باشياء جديدة غير مسبوقة .. ولم يسبقه بها جميع شعراء عصره

ومع ذلك لم يجمع العرب عليه على أنه الأشعر .

و بالعودة الى تقليد شوقي امارة الشعر .. هذا اللقب لم يأته عن عبث .. و ليس لأنه تحدث في شعره عن قضايا أمته و أحيانا عن قضايا و أحداث خارج حدود الوطن العربي وكتب مناهضا الاستعمار في مصر و في مختلف البلدان العربية ..

و لكنه أتى بما لم يكن الأدب العربي يعرفه من قبل عندما أدخل الى الأدب العربي مواضيع و فنونا لم يكن العرب يعرفونها

وما كان لجميع قصائده التي كتبها أحمد شوقي وهي بالمئات و جميع ابيات ديوانه الضخم الشوقيات .. كل ذلك جميعا ما كانت لتشفع له لكي ينال لقب الامارة

الأ أنه و كما أرى

أن أحمد شوقي ما كان ليحصل على اللقب المذكور لولا أنه قام بعمل أدبي باهر .. لم يسبقه اليه أحد .. لا من قبل و لا من بعد من شعراء الأمة العربية .

وهو ادخاله فنا جديد على الأدب العربي لم يكن موجودا من قبل ..و لم يسمع به العرب قبله

انه المسرح الغنائي ..

أجل انه المنسرح الغنائي .. وهو الفن الجديد الذي جاء به شوقي و لم يكن العرب يعرفون عنه شيئا و لم يسمعوا به في أدبهم

لقد ألف شوقي العديد من المسرحيات الشعرية الرائعة لم يسمع بمثلها أحد من العرب

منها

مجنون ليلي و كليوباترة و علي الكبير و قمبيز.. و غيرها

وكان ذلك أهم و أكبر انجازاته الشعرية ..

وان كان هناك من قلده فيما بعد وكتب في المسرح الغنائي .. الاأنه أي شوقي .. كان له فضل السبق حيث أضافت مسرحياته الغنائية عناصر جديدة للأدب العربي لم تكن معروفة من قبل

ان امارة الشعر بعد شوقي هذه المؤسسة مازالت فارغة .. لعدم وجود من يستحقها بالرغم من وجود عمالقة من شعراء العرب الكبار

و نتساءل ثانية

الى أي متى والى أي مدى سيبقى هذا التاج على رأس احمد شوقي .. و هل سينتقل تاج الامارة الى رأس شاعر آخر ؟

لا أظن .. بل أكاد أجزم

أن الجواب سيكون صعبا جدا ان لم يكن مستحيلا

و لن يكون ذلك ممكنا … قبل أن يأتي من يقدم للأدب العربي فنا جديدا لم يعرفه الأدب من قبل

تحيتي لكم جميعا

……

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى