اللّغة والهويّة والعولمة

اللّغة وسيلة وصل فعّالة في بوتقة المجتمع وأداة إبداعية فنّية ومعلم من معالم النتاج الفكري والأدبي لتحقيق كيان الأمة والسير به قدماً إلى مصافّ الدول المتقدّمة فهي هوية وانتماء. إنّ اللّغة سمة ثقافيّة للمجتمعات تكتسب ملامح مقوّماتها من المعاني والرموز المشتركة وهي حديث الذات عن نفسها. تُكسب اللّغةُ الهويّةَ حقلاً متعدد الأبعاد ذاطبيعة جدلية, يضم متناقضات واختلافات تتحرك داخل عمليّة صيرورة، هي صيرورة ذاتية للحداثة.

لكنّ اللّغة اليوم تواجه تحديات شرسة في مجالات الحياة في ظل طوفان جارف لعولمة لغويّة وثقافيّة تكاد تُفقد الهويّة. قال الناقد إدوار سعيد: “إنّالهويّة النقيّة لا وجود لها وإن الذي يوجد هو هوية هجينة من خلال الثقافات المتعددة والمختلفة التي تشكلت عبر التاريخ وهي متأثرة ببعضها البعض”.

اللّغة وسيلة التواصل مع الغير والهوية وسيلة تمثل الكون لأنفسنا في عقولنا باستخدام الكلمات المتوافرة فاللّغة لا تقتصر على التواصل بين البشر فحسب وإنّما تشكّل أساس الوجود الإنساني. في نظر(جاك بيرك) كوّنت القانون الأول الذي فرض نفسه خلال عملية التنشئة الاجتماعية التي تنقل من الطبيعة إلى الثقافة عبر اللّغة والثقافة ضمن علاقة الجزء بالكل وإنّ اللّغة ولّدت الهوية. فالهوية مسألة لغوية في جذورها وفي قول لألبير كامو الكاتب الفرنسي: “نعم لي وطن، إنّه اللّغة الفرنسية”فالمواطنة ثقافة ولغة لفهم العالم وتمثيلية في أذهاننا فاللّغة تنظم حياة الجماعة وترسّخ تجاربها. والهوية هي الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغياب المطلق (الجرجاني)أي أن الهوية ثابتة ولا تتغير وهي الركيزة الأساسية للإنسان وهي خصوصيّته الذاتيّة ويرى العالم( أنون ويس) الهوية على أنّها ليست معطى عام جاهز ونهائي وإنّما عمل يحتاج إلى الإكمال، والهوية تتصف بالتغيير وتتفاعل بحكم علاقة الإنسان مع الآخر وليس الانعزال، ويرى العالم( ولستيورات )أنّالهوية في حالة تغيير وتحوّل دائم وليست معطىًمنجزاً متكاملاً لا ينتهي. من هذين التعريفين نستنتج أن الهوية تتميّز بعدم الثبات أي أنّها تتطور وتطوّرها يكون وليد التفاعل مع الأخرين.

اللّغة هي أداة ربط واتصال بين الماضي والحاضر فلا سبيل لمعرفة التراث ولا التّاريخ دون اللّغة فهي تساهم في المحافظة على السيادة الوطنية والهوية الثقافيّة إذن هي تنشئة اجتماعية. المركزية هي الأسرة تعلم الطفل لغته الأم ويأتي بعدها دور المجتمع.

على سبيل المثال، اللّغة العربية قديمة تستخدم منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، وتتميز بعراقتها وقد وصلت اللّغة الإنسان بتاريخه وهي سبب وحدة العرب ففي علومها قديماً كانت تعتمد الترجمة ثم انتقلت إلى التأليف والإبداع مثل (ابن خلدون وابن رشد) فاللّغة هي وعاء ثقافي لكل منتجات الأمة وتراثها، هي هوية  تنقل لنا عبر الأجيال التراث الفكري والأدبي. لكنها في خطر حقيقي أمام ذلك السيل الجارف من التحديات، يقول الكاتب ”المسيري“ إن اللّغة العربية قد تآكلت في شتى مناحي الحياة.  بدءاً من الإعلام المحلي بكافة صوره, فمعظم القنوات التفزيونية تبثّ برامجها باللّغةالأجنبية والإعلانات التجارية والأفلام السينمائية وبرامج الأطفال ووسائل التواصل الاجتماعي وتبادل الأحاديث والرسائل وهيمنة اللهجات المحلية على اللغة الفصحى الموحدة ناسين أنّ اللغة العربية هي لغة الضاد وهي لغة مشتركة بين جميع العرب بينما اللهجات تختلف اختلافاً كبيراً واستبدالها بالعامية يؤدي إلى مزيد من التفكيك اللغوي والثقافي. الفصحى تحمل تراثاً علمياً وأدبياً يمتد لأكثر من خمسة عشر قرناً والانقطاع عنه يعني صعوبة التواصل مع هذا التراث لذلك يجب المحافظة عليها, فالإنسان في جوهره ليس سوى لغة وهوية, واللّغة هي فكرة وانتماء. يقول زهير بن أبي سلمى:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده​​فلم يبقى إلا صورة اللحم والدم

يرى العالم جون كلود كوفمان في كتابه (ابتكار الذات) أنّ الهويّة صيرورة ذاتية للحداثة مرتبطة تاريخيّاً بها ولا يمكن للإنسان المندمج في مجتمعتقليدي أن يطرح مشكلات الهوية كما تفعل الحداثة,لم تبق بديهية بل غدت أشكالاً متغيرة ويلزم بناؤها وتأسيسها على أسس الحداثة المتقدمة مما يكّون مفتاح الهوية. 

يندرج الفكر العولمي المسؤول ضمن منطق الانفتاح, فالهوية لا تكتفي بجمع الشظايا وتركيبها في نسق مستقر يحفظ المعنى, فالعولمة كأداة تنحصر في نشر نموذج فكري وسلوكي خاص. ليست تبادلاً ثقافياً بقدر ماهي تصدير ثقافة جاهزة تستبدل الهوية  فتستفز الخصوصية. عندما تطرح مسألة الهوية تعبّر عن حاجة لا إلى تحديد الهوية، فالمواطنة ثقافة ولغة. 

قال العالم الاجتماعي أنطونيو جنيز إنها مرحلة جديدة لبروز وتطور الحداثة, أي ربط المحلي والعالمي بروابط اقتصادية وسياسية واجتماعية في ظلال عالمية مركزية وسيادة نظام العالم الواحد،فللعولمة بُعد ثقافي وإيديولوجي ووسيلة للهيمنة على العالم فهي تراكم طويل في إطار النظام الرأسمالي، حقبة التحول التي تهدف إلى إضعاف السيادة الوطنية ومحو الذاكرة التاريخية ووعي الإنسان بذاته, فيصبح استهلاكياً. قال العالم فرانسيس فوكوياما في نظريته (نهاية التاريخ) إن سقوط الاتحاد السوفياتي هي نقطة تحول, نهاية تاريخ الشيوعية وسيطرة الولايات المتحدة الأمريكية, فمهما تعددت الآراء حول نشأة العولمة وجذورها التاريخية يبقى سعي الغرب إلى إيقاف عملية التطور في العالم لضمان تدفق العمالة والمواد الخام الرخيصة التي تعدّ سبباً رئيساً في عملية السطو ونهب خيرات العالم الثالث, وأيضاً بما يعانيه الغرب من أزمات اقتصادية وعسكرية وثقافية سرّع في ظهور الهيمنةبأشكال متعددة وأهمها الاقتصاد فهو عصب الحياة, فربط رؤوس الأموال والأسواق المحلية والعالمية بخدمات عبر الحدود بما يعرف بنظام النقود الإلكترونية. فالعولمة الاقتصادية هي عصب العولمة الثقافية والبيئية والسياسية أيضاً فببروز النظامالرأسمالي كقوة ثورية علمية تكنولوجية حققت نقلة معرفيّة مثل هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على وسائل نقل المعرفة وسعيها لتنميط العالم بالبعد الثقافي من خلال تفاعل الثقافات الراسخة للحضارات في إطار تمايز حضاري.

على جانب آخر تعمل العولمة على إضعاف الثقافات المحلية فتخلق أزمة تؤثّر على اللّغة باستبدال اللّغة العربية بلغات أجنبية رسمية في مرافق الإدارة والاقتصاد ووسائل الإعلام وفي المقررات الدراسية ولغات للتخاطب اليومي أصبحت العولمة تطرح شكوكاً داخل الهوية الثقافية حتى شملت جميع مجالات الحياة في مقومات تشكل الهوية الانسانية.

تسعى العولمة إلى إبعاد الخصوصية في المجتمعات الصغيرة لنشر ثقافة المجتمعات القوية على حساب هذه المجتمعات الصغيرة فتؤثّر علىالهويّة الثقافيّة. هناك نظرتان مختلفتان بشأن العولمة, هناك من ينظر لها سلباً, يراها شكل من أشكالالاستعمار, كوسيلة لغزو ثقافي, يحاول هدم القوميات المختلفة، ففي قول لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة (مادلين أولبرايت) إنّ أمر العالم بلا منازع هو من نصيب أمريكا فالعالم لنا, وآخرإيجابياً, اعتبر العولمة عالماً يتمتع بالانفتاح والتنوعالثقافي الذي يولّد علاقات مختلفة  فلا خوف منهاعلى الهوية الثقافية المحليّة فهي تنقل الأفكار إلى العالم لخلق معايير إنسانية مشتركة بين الشعوبوثقافات متعددة ترمي إلى رفع الوعي الفكري الجمعي. 

ومع كل تلك الآراء هناك بعض المخاطر مثلا إلغاء الخصوصية الثقافية التي تعد تهديداً للهويةالعربية وتهديد للتراث العربي من خلال إهمالقضايا هامة منها الفن, مثال فن الخط العربي في المدارس وفن العمارة وفن الزخرفة التراثية في المباني العمرانية وجعلها شبيهة بالغرب والمتاحف تحولت إلىغرف وصالات لكل حقبة زمنية.

أما على صعيد الأسرة فوضع حد لحكم الذكور(الأبوي) بدفع تحرر المرأة بحجة عدم قدرتها على تحقيق ذاتها في إطار الأسرة فخلق تفكك أسري وهدم الهوية والقيمة الاجتماعية للأسرة وتأثير السينما على الهوية العربية من خلال الرسوم المتحركة (توم وجيري) بعنوان للبراءة لكنها تحمل في طياتها غايات وأهداف علاقة صراع ومطاردة فالعولمة اتخذت الاعلانات وسيلة لترويج المتعة, والولايات المتحدة الأمريكية خصصت جائزة “ميدالية جورج واشنطن“ كانت من نصيب ديزني تشجيعاً لنقل الأفكار الأمريكية إلى العالم.

حين أثبت العرب تضامنهم وقوّتهم إبان حرب أوكتوبر عام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين فرضوا وجودهم على الساحة الدولية ومن ثم فرضوا لّغتهم فأصدرت الهيئة العامة للأمم المتحدة في دورتها العشرين قراراً يقضي باعتماد اللّغة العربية ضمن اللّغات الرسمية المقررة في الأمم المتحدة وعددها ستة بعد دخول الّلغة العربية وهي الإنكليزيةوالفرنسية والصينية والإسبانية والروسية والعربية.كما أصدر المجلس التنفيذي للمنظمة الدولية للتربيةوالعلوم الثقافية (اليونسكو) قراراً ينص على أن يكون الثامن عشر من كانون الأول يوماً عالمياً للاحتفال باللّغة العربية, ولم تنل هذه المكانة اللّغوية في الأمم الأخرى لغات دول ذات ثقل سياسي واقتصادي بارز مثل اللّغة الألمانية واللّغة الإيطالية واللّغة اليابانية واللّغة البرتغالية والّلغة الفارسية، وليت ممثلي الدول العربية في الأمم المتحدة ومنظماتها الذين يستعملون اللّغة الأجنبية يعون هذه الحقيقة فيستعملون العربية لغتهم الأم في مناقشاتهمومداخلاتهم وأوراق العمل التي يقدمون بها إلى هذه الجهات وفي قول للمتنبي:

ومن جهلت نفسه قدره​​يرى غيره فيه ما لا يرى

إذاً هناك إشكالية معقدة بعلاقة الهوية الفردية والجماعية بالوجود الإنساني في ظل الصراع القائم بين العقلانية التي جاءت بها التنويرات الأوروبية وبين الموروث الفكري والثقافي الذي يشكل جزءاً أساسياً من وعي المجتمعات وبروز مفهوم الهوية بوصفه بناءاً معقداً يتجاوز الإنتماءات البسيطة ليغدو صراعاً معمقاً حول جدلية الهوية في ظل العولمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى