المنصور محمد بن أبي عامر
قص أظافر الدولة
المنصور محمد بن أبي عامر
ماذا لو ؟
د. يسري ربيع داود

أحببتُ سيرة المنصور محمد بن أبي عامر، وأعجبتني شخصية ذلك الرجل الذي جعل أوروبا تنام على ذكر اسمه وتصحو على أخبار حملاته.
سبع وعشرون سنة ظل فيها صاحب الكلمة العليا في الأندلس، خاض خلالها عشرات المعارك، ولم يُعرف عنه أنه خسر واحدة منها. كان قائدًا لا يُستهان به، وسياسيًا شديد الدهاء، ورجلًا عرف كيف يصنع لنفسه مكانًا في دولة كانت في أوج قوتها.
حتى إن قادة الشمال الأوروبي ظلوا يرون فيه كابوسًا لا ينتهي، ولم يشعروا بالراحة إلا بعد موته؛ ويُروى أن أحد قادتهم أقام خيمته فوق قبره احتفالًا بوفاته!
هنا أقول: نعم، أحببت المنصور محمد بن أبي عامر .. ذلك الرجل القوي العفي الفتيّ…لكنني حزنت منه أيضًا!
حزنت لأن الرجل الذي استطاع أن يحمي الدولة من أعدائها، لم يستطع أن يحميها من الفراغ الذي سيأتي بعده، لم يحسب أنه سيموت يومًا ويترك الدولة بلا قائد.
لقد استأثر المنصور بالحكم، تسلقه تسلقًا، وحجب الخليفة هشام بن الحكم عن عامة الناس، حتى أصبح الخليفة خليفةً بالاسم، بينما صار المنصور هو الحاكم الفعلي.
وهنا يطاردني سؤال لا أجد له إجابة إلا في صفحات التاريخ:
ماذا لو ظل محمد بن أبي عامر إلى جوار الخليفة، شريكًا في إدارة الدولة، بدلًا من أن يصبح هو الدولة؟ ماذا لو لم يطمع في الكرسي؟
وماذا لو أن الحكم المستنصر، حين تولى ابنه هشام الخلافة وهو في الثانية عشرة من عمره، جعل ولاية العهد لرجل بالغ رشيد من الأسرة الأموية، بدلًا من ترك عرش دولة عظيمة لطفل، وترك الباب مفتوحًا أمام طموح ابن أبي عامر؟
الإجابة : ربما ظل ابن أبي عامر وفيًّا للدولة الأموية.
ربما بقي الخليفة رمزًا ووظيفةً ومرجعية، وبقي المنصور قوةً تنفيذية وعسكرية إلى جواره.
وربما امتد عمر الدولة الأموية في الأندلس، بدلًا من أن تتحول بعد ذلك إلى دولة عامرية، ثم تبدأ من بعدها رحلة الانقسام والضعف، حتى جاءت ملوك الطوائف.
لكن التاريخ لا يعرف «لو»…
إنما نحن الذين نعرفها، لأننا نقرأ النتائج ثم نعود إلى البدايات ونكتشف أين كان يمكن أن يتغير الطريق.
الكرسي له شهوة.
ومن يجلس عليه طويلًا قد ينسى أنه جلس عليه ليخدم الدولة، لا ليصبح هو الدولة. الأمثلة على ذلك كثيرة في زمننا الحاضر ، حينما سيطر الحكام العرب على الكراسي لعقود ثم تركوها بثورات الربيع العربي، وهناك دول لم تبرأ حتى الآن من هذه المرحلة.. سقطت الدول.. أو كادت تسقط !
يمكن للحاكم أن يفرض الصمت، ويمكنه أن يصنع حوله جيشًا من الخائفين، ويمكنه أن يقصي كل منافس، وأن يعاقب كل من يخطئ، وأن يجعل الجميع يصفقون له.
ممكن جدًا .. لكن هناك مشكلة صغيرة في كل ذلك:
الخائفون لا يبنون دولة
والمنصور، في رأيي، وقع في هذا الفخ.
كان شديدًا حتى على رجاله، لا يكاد يغفر خطأً، ولا يسمح لأحد أن يقترب من حجمه أو يكتسب من القوة ما يجعله قادرًا على حمل الدولة بعده.
وهنا كانت المفارقة العجيبة:
لقد كان يحمي الدولة من أعدائها، بينما كان ــ من حيث لا يدري ــ يضعف رجالها من الداخل.
قصَّ أظافر الدولة في حياته، فتقاسمها الضعفاء من بعده.
وهذه هي المأساة التي جعلتني أحب الرجل وأحزن منه في الوقت نفسه.
لقد أحببت المنصور الذي أرعب أوروبا.. وحزنت من المنصور الذي لم يترك بعده من يستطيع أن يحمل الأندلس بالقوة نفسها.
إن الدولةيا عزيزي لا تُقاس فقط بما يفعله الحاكم وهو حي؛ بل إن الدولة الحقيقية تُقاس بما يبقى منها بعد أن يموت الحاكم.
فلو بقيت مؤسساتها قوية، ورجالها قادرين، وقوانينها فوق الأشخاص، فقد نجح.
أما إذا أصبح الأشخاص فوق القانون فقل على الدنيا السلام !
أما إذا مات الرجل فماتت معه الدولة، فمهما كانت إنجازاته عظيمة، فقد ترك وراءه سؤالًا مؤلمًا:
هل كان يبني دولة، أم كان يبني مجدًا لنفسه؟
والتاريخ لا يرحم؛ فقد يكتبه الأقوياء أول الأمر، وقد يضع المنتصرون فيه ما يشاؤون، لكن ذاكرة الناس أقوى مما يظنون.
قد ينجح السلطان في إسكات الناس سنوات، لكنه لا يستطيع إسكات التاريخ قرونًا.
سيأتي يوم يفتح فيه الناس دفاتر الماضي، فيسألون:
من بنى؟
ومن هدم؟
ومن كان مخلصًا للدولة؟
ومن كان مخلصًا للكرسي؟
ومن ظن أن الدولة لا تقوم إلا به؟
ولهذا فإنني كلما قرأت عن الأندلس لم أحزن فقط على مدينة سقطت، أو مملكة انتهت، أو حدود تغيرت؛ لكنتي أحزن على الفرصة التي ضاعت.
أحزن على حضارة كان يمكن أن تمتد.
أحزن على دولة عظيمة تحولت، بعد قوتها، إلى دويلات تتنازعها الأهواء، حتى صار كل أمير يرى نفسه دولة، وكل مدينة ترى نفسها وطنًا، وكل طرف يطلب النجاة لنفسه ولو على حساب الجميع.
ثم سقطت الأندلس.
نعم .. لقد سقطت الأندلس وقد كنا نظن وفق تسلسل الأحداث أنها لن تسقط .. سقطت وتركت لنا أحزانًا مستمرة مذ عقود.
إن سقوط الأندلس لم يكن نهاية قصة، بل كان بدايةً لسلسلة طويلة من الانكسارات، أورثتنا قرونًا من الاستعمار والضعف والتشرذم.
والأشد إيلامًا أننا بعد أن خرجنا من الاستعمار، لم ننجح دائمًا في الخروج من آثاره.
بقيت الحدود. أصبحنا دويلات.
وبقيت الحساسية بين الدول.
وبقيت فكرة أن مصلحة كل دولة منفصلة عن مصلحة جيرانها، وكأننا لم نتعلم شيئًا من التاريخ.
يا حزني على الأندلس!
لا أبكيها لأنها ماضٍ جميل فقط؛ لكنني أبكيها لأنني كلما قرأت قصتها رأيت في صفحاتها شيئًا من حاضرنا، ورأيت أن المشكلة لم تكن دائمًا في قلة القوة، وإنما أحيانًا في سوء استخدامها.
ورأيت أن أخطر ما يمكن أن يفعله حاكم قوي بدولته ليس أن يهزمها في معركة؛ بل أن يجعلها غير قادرة على الحياة من بعده.
رحم الله ماضيًا تليدًا لا يزال يحزننا فواته.
ورحم الله رجالًا صنعوا مجدًا عظيمًا، وإن اختلفنا مع بعض اختياراتهم.
ولعل أعظم درس تركه لنا المنصور محمد بن أبي عامر هو:
لا تخف من قوة رجالك، بل خف من دولة لا يبقى فيها رجل قوي بعد رحيلك.
فالحاكم يموت، والكرسي ينتقل، أما الدولة، فإن لم تكن أقوى من صاحبها، فقد تموت معه.
يا حزني على قصر الحمرا، وقرطبة، وجامعها .. رحم الله الأندلس.