النائحات في مصر – الحزن في مصر قديمًا وحديثًا
النائحات في مصر – الحزن في مصر قديمًا وحديثًا
يسري ربيع داود

أحيانًا لا نعرف قيمة نعمةٍ نعيشها إلا إذا عدنا بذاكرتنا عشرات السنين إلى الوراء، فرأينا بأعيننا كيف كان الناس يعيشون، وكيف كانت الخرافة تتزين في ثوب الدين، حتى ظنها البعض عبادة!
ما سأحكيه ليس قصة سمعتها، بل مشاهد رأيتها وأنا طفل صغير عند عودتي من كُتّاب سيدنا الشيخ عبدالمعطي أبو حمد، لا تزال محفورة في الذاكرة كأنها حدثت بالأمس.
زمان… وأنا طفل في كُتَّاب القرية، خرجنا يومًا من عند الشيخ، فإذا بخبر وفاة أحد رجال القرية ينتشر بين البيوت. لم يكن الموت هو ما أدهشني، فالموت حق، وإنما ما رأيته بعد ذلك. كانت النساء يخرجن جماعات، يمشين إلى الترعة في صمتٍ ثقيل، ثم تجثو إحداهن على حافة الماء، تغمس يدها في الطين، وتلطخ به رأسها ووجهها وثيابها ، تخلطه بزهر الغسيل فتصبح لوحة مزركشة بطين وزهرة زرقاء تنثال على وجهها وشعرها، وكأنها تعلن الحرب على القدر! وأخرى تحمل في يدها قطعة من “زهرة الغسيل”، تذيبها في الماء، ثم تضعها على شعرها المنكوش حتى يتحول لون رأسها إلى لون التراب والرماد، وكأن الحزن لا يكتمل إلا إذا شوه الإنسان نفسه. كنت أقف بعيدًا أراقب، لا أفهم شيئًا، لكن فطرتي الصغيرة كانت تقول: لا يمكن أن يكون هذا هو الدين.
ثم يبدأ موكب آخر…امرأة اشتهرت في القرية بمهنة “المعدِّدة”، تحفظ عشرات العبارات التي تستدر الدموع، فتقف أمام البيت تصرخ بأعلى صوتها:
“يا جملي… يا سبعي… يا ضهرنا اللي انكسر…”
فترد النساء من خلفها بنغمة جماعية حزينة، ثم ترتفع أصوات اللطم والصراخ، وكأن كل واحدة منهن تتسابق لتثبت أنها أكثر الناس حزنًا.
ومن لا تبكي أو لا ترفع صوتها، تُتهم بأنها مقصرة في الواجب، أو ربما… “فرحانة في الميت!”
كان الأطفال ينظرون في دهشة، والرجال يقفون صامتين، بينما يختلط صوت البكاء بصوت الديوك، ونباح الكلاب، وأذان المسجد البعيد… مشهد لا أنساه ما حييت.
ولم يكن ما رأيته في قريتنا أمرًا فريدًا، بل كانت كتب التاريخ والأدب مليئة بصور تشبهه.
ذكر المؤرخون أن بعض النساء كن يشققن الجيوب، وينتفن الشعر، ويلطمن الوجوه، ويذرين التراب على الرؤوس، ويخرجن حافيات خلف الجنازة، ويرددن عبارات تُشعر وكأن الميت لن تقوم للحياة بعده قائمة.
وفي بعض البيئات كانت تستأجر “النائحة” بالأجر، تحفظ أسماء المآثر والبطولات، وتصيح بها في الطرقات، فإذا فتر صوتها دفعتها صاحبات المصيبة إلى مزيد من الصراخ، حتى ظن الناس أن كثرة الضجيج دليل على صدق الحزن.
وذكر بعض الرحالة الذين زاروا مصر قديمًا أن مواكب الجنائز الشعبية كانت تختلط فيها مشاعر الفقد بعادات موروثة، فيرتفع العويل، وتضرب النساء صدورهن، وتلقي بعضهن التراب والطين على الرؤوس والثياب، وكأن الاعتراض على القدر أصبح طقسًا من طقوس الوداع.
بل إن بعض كبار السن كانوا يحكون عن نساء يمضين أيامًا لا يغسلن وجوههن، ولا يمشطن شعورهن، ويتركن الملابس ملطخة بالطين، ظنًا منهن أن ذلك أوفى للحزن، مع أن الإسلام جعل أعظم الوفاء للميت الدعاء والصدقة والاستغفار، لا إيذاء النفس ولا الاعتراض على قضاء الله
مرت الأيام…وكبرت. وعرفت أن النبي ﷺ نهى عن النياحة، وأن الصبر عند الصدمة الأولى هو علامة الإيمان، وأن المؤمن يحزن، وتدمع عيناه، لكن لسانه لا يعترض على قضاء الله. حينها فقط فهمت كيف يبدأ الانحراف؛ فالبدعة الصغيرة التي يستهين بها الناس اليوم، تصبح بعد سنوات عادة، ثم تتحول إلى تراث، ثم يأتي جيل جديد يظن أنها من الدين نفسه.
عندها فقط فهمت كيف عبد الناس الأصنام بعد أن كان أهل الأرض جميعًا موحدين عقب نجاة نوح عليه السلام. لم يبدأ الشرك بصنم ضخم نزل من السماء، وإنما بدأ بخطوات صغيرة، وبالغلو، وبالجهل، وبترك العلماء للميدان.
ولذلك لا أتعجب من أن الجاهل يكون أول أعداء نفسه؛ فالجهل لا يفسد الدنيا فقط، بل قد يفسد الدين أيضًا.
ولهذا سأظل ممتنًا لكل من حمل همَّ تعليم الناس دينهم؛ للدعاة، وللعلماء، ولجماعات الدعوة التي جابت القرى والنجوع، وللمخلصين الذين صبروا على أذى الناس وسخريتهم حتى أعادوا إلى القلوب معنى الرضا بقضاء الله.
واليوم…عندما أمر في جنازة، أكاد لا أصدق أن هذا هو المجتمع نفسه.
أسمع التكبير. وأسمع التهليل. وأسمع الاستغفار. وأرى النساء يذكرن الله بدل أن يلطمن الخدود، ويرددن: “إنا لله وإنا إليه راجعون.”
كم تغير المشهد! وكم انتصر العلم على الخرافة! وكم انتصر القرآن على العادة!
ليت شباب اليوم يدركون أن ما يرونه الآن من هدوءٍ ورضًا عند المصائب لم يكن موجودًا دائمًا، وأن وراء هذا المشهد رجالًا ونساءً بذلوا أعمارهم في تعليم الناس كلمةً صحيحة، وتصحيح مفهوم، ومحاربة بدعة، حتى أصبح الحمد عند البلاء هو لسان الناس، بدل الصراخ والاعتراض على قضاء الله.
وعندما أقرأ اليوم في كتب التراث، أزداد يقينًا بأن أخطر ما يواجه الأمم ليس الفقر، ولا المرض، وإنما الجهل إذا لبس ثوب الدين؛ فالبدعة لا تدخل المجتمع وهي تحمل لافتة كتب عليها: “أنا بدعة”. بل تدخل في صورة عادة، ثم تتحول إلى تقليد، ثم تصبح من التراث، ثم يأتي جيل لا يعرف غيرها، فيغضب إذا دعوته إلى السنة، ويستغرب إذا أخبرته أن ما يفعله آباؤه لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أصحابه.
وهكذا يبدأ الانحراف… خطوة صغيرة، ثم أخرى، حتى يصبح الحق غريبًا بين أهله
رحم الله من علَّم الناس دينهم…
ورحم الله زمنًا كان الجهل فيه ظاهرًا حتى نرى اليوم نعمة العلم بأعيننا.
فإن كانت الحضارة تُقاس بالبنيان، فإن أعظم بناءٍ أقامه الإسلام هو بناء الإنسان… ذلك الإنسان الذي يبكي لفراق حبيبه، لكنه لا يغضب من قضاء ربه، ولا يقول إلا ما يرضي الله
العلم والدين قرينان يدفعان الناس إلى الفضيلة دفعًا ويزينان الحياة بالرضى والنور .
وللحديث بقية ما دام في العمر بقية …