الناس سيرة
الناس سيرة
د:يسري ربيع داود
كثيرًا ما سمعنا هذه المقولة منذ صغرنا. عندما يُذكر اسم إنسان سيرته حسنة نسمعهم يقولون:
ونعم الرجل ، الله يرحم أباه، إنسان طيب ، رجل من القلائل ..
وعلى النقيض تأتي سيرة ملعونٍ من ملاعين الدنيا فيشمئز القائل والسامع معًا ، يقال :
فاحش ، بذيء، ابن كلب لم ينل من التربية أيّ قسط..
اليوم ونحن نتناول الشاي بعد وجبة الفطور، دار الحديث، وجاء اسم شخص من الزملاء، فسمعت صديقًا عزيزًا يقول :
يوسف رجل من الرجال المعدودين!
شد انتباهي قوله فانتظرت لأسمع السبب، لا سيما وأنا لم أتعامل معه طيلة سنوات زمالتنا معًا لأرى منه هذه الصفة.
فهم الزميل مرادي، وحكى لي ما سأرويه لكم:
لقد منّ الله على الزميل بسيارة يذهب بها إلى دوامه الثاني، وكان أن رزقني الله عملًا بدوام ثان في نفس مكان دوام الرجل. طلبت منه أن يحملني معه كل يوم ، فكنت أذهب معه وبعد نهاية الدوام نرجع سويّا . ومن الذوق أن نقول لمن يسدي لنا معروفًا: شكرًا لك !
يقول الزميل: بعد نهاية الشهر طلبت منه قيمة ما أدفعه؛ لأن هذا متعارف عليه وسط بيئة العمل، لكن الرجل رفض، أقسم بأغلظ الأيمان ألا يعيد كلامه مرة ثانية.
أخذ الرجل يحمله معه جيئة وذهابًا ثلاث سنوات كاملة. نعم ثلاث سنوات لم يأخذ ريالًا نظير ذلك.
كل ما مضى قد نحسبه عند البعض شيئًا عاديًا ، لكنه قد يكون عند آخرين فيض كرم. أذكر أن سيارتي كانت عند الميكانيكي، فطلبت من أحد الزملاء أن يوصلني إلى مكان ما، فطلب نظير توصيله أجرًا، رغم أنني لي عليه الكثير من الأفضال!
جيافة كما يقول الدمايطة!
أستكمل حديث الرجل، يقول : بعد ثلاث سنوات خربت ماكينة السيارة، فذهبنا معًا إلى الميكانيكي، فطلب مبلغًا كبيرًا، وجدت صاحبي يؤجل الصيانة لتعذره ماليًّا، فخرجنا من الورشة إلى البيت، وبعد ساعة قررت العودة إلى الورشة ، وجادلت الميكانيكي في المبلغ حتى تم تخفيض الثلث تقريبًا، وأعطيته المبلغ من جيبي الخاص.
بعد يومين اتصلت الورشة، انتهى إصلاح السيارة، ذهبنا للاستلام في تاكسي، أنا أعلم أن صاحبي متعسر، فقلت له بمنتهى الصلف المضحك : ادفع أجرة التاكسي يا ولد. فضحك ضحكة أسف على موقفي، وكأنه يحدث نفسه عن الجيافة التي أتمتع بها. نظرت إليه وضحكت.
وصلنا إلى الورشة، وبدأت يده المرتعشة تدلف إلى الجيب الخاوي لتخرج مبلغ الإصلاح، يتمنى لو أن الميكانيكي يخفض ولو مائة ريال، فعما قليل سيقف في الإشارات طلبًا للمال أو يطلب من الناس تبرعًا. رأيته وأنا لا أتمالك نفسي من الضحك، وأرى في عينيه نظرة غضب، يكاد لسانه أن يعبر عنها ببذاءة لا أعلمها عنه !
نظر إليه الميكانيكي بتعجب ، لماذا تعطيني مالًا؟
كادت الدمعة تفر من عيني صاحبي، يريد أن يحتضنه، فطريقة الكلام توحي بأن تخفيضًا ما قد يحدث!
أخبره الميكانيكي بأن صاحبك هذا قد جاء ودفع لي مبلغ الإصلاح، فتحولت نظرة الغضب إلى نظرة اعتراف بالفضل .
قلت له: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ قد حملتني معك ثلاث سنوات، فما قلت لي يومًا عليك بنزين السيارة، ولا نظرت لي يومًا نظرة صانع المعروف للمسكين.
العلاقات الإنسانية لا بد أن تغلف بالإحسان والشكر معًا، فمن قدم لك معروفًا فاحفظ له معروفه، ورد له معروفه على أحسن ما يكون وقت الاحتياج.
أقول : لا تنتظر حتى يتعسر وتأبى نفسه أن تطلب منك شيئًا، بادر وكن سندًا لمن تحب ولا تكن كالمظلة تذهب حين تذهب حرارة الشمس ويتحسن الجو.
اجعل لنفسك خبرًا طيبًا يذكرك الناس به حين يفرغ مكانك بالانتقال المكاني أو بالموت .
مش كده ولا إيه ؟