حتى للموت فواتير – قصة قصيرة

وصلتُ إلى بيتي أشعثَ أغبرَ الوجه، لم أطرق الباب، رأيتُ زوجتي تحدّق بي كأنني شبح.

لم تدعني إلى الطعام، بل ذهبت إلى الداخل. فسألتُها:

_إلى أين؟

لم ترد؛ نظرتُ إلى المائدة، لم يكن عليها سوى بضع أوراق… نفضتُها، فإذا هي فواتير كهرباء وماء… ووو.

استغربتُ وصرخت:

_ كيف؟

نهضتُ إليها، فوجدتُها تبكي، وقد أدارت وجهها صوب صورتي المعلّقة على الجدار.

اقتربتُ منها أُمَسِّد شعرها… فلم تجفل، ولم تعبأ بي، فقلتُ:

_ هذه الفواتير… من كم شهر؟

وأردفتُ:

_ ألم أدفع؟

أقبل ابني — وكان شابًا يافعًا — إلى أمّه، وقال — كأنما سمعني:

_ ألم أقل إن تكاليف إقامة الصيوان، وإضاءته ليلًا، عدا عن المشاريب، وقطعة الأرض التي حجزناها… ستكلّف الكثير؟

أجابته:

_نعم يا بني… لكنه والدك.

مشيتُ بين الباب والشرفة؛ رأيتُ تابوتًا. اندفع ابني دون أن يصافحني إلى الخارج، ورفع التابوت معه شباب الحي، وسار في المقدّمة يحمل وإياهم التابوت.

أدرتُ ظهري، فإذا بنساءٍ في لباس حداد قد جلسن يطرقن رؤوسهن إلى الأسفل… ولم يلتفتن إليّ.

خرجتُ من البيت إلى شارعٍ قديم، إلى بيتٍ نصفه مهدوم.

كان الباب مفتوحًا… كأنه يعرف أنني قادم؛ دخلت.

لم يكن الصمت في الداخل صمتًا عاديًا… كان شيئًا يُنصت إلى صوتي وهو يصرخ.

في حين كانت زوجتي تلتمس من القاضي الرجاء، قائلة:

_ هل يمكن أن تمنحنا شهرًا آخر ليتسنى لنا تسديد الفواتير.. يا سيدي؟

ارتشفتُ لهاثي المغبر، وصحتُ:

_لن أموت…!

..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى