“رسائل من الغياب” – الأدب و النثر
“رسائل من الغياب” – الأدب و النثر
طواهري امحمد.

منذ أربعين سنة وقفت هذه اللحظة هنا. تجمدت مع صورة لونها أبيض وأسود، في صمت لا يشيخ. صورة تذكارية… هكذا كُتب في أسفلها. ولكنها ليست صورة. هي عهد كامل بين جيل ومعلميه.
أنظر إلى تلك الملامح البريئة التي تسكن الصورة فأخاف. أخاف من البراءة التي كانت تظن أن الدنيا طبشور وسبورة، وأن الوطن حصة تربية وطنية، وأن المستقبل سيكون على قدر البساطة التي عشنا بها.
عيون لم تعرف بعد طعم الخذلان،ولم يغلق بعد امامها ابواب ونوافذ وقلوب لم تحمل إلا دفتراً وقلماً وممحاة.
وخلفنا… كانوا هم. المعلمون.
أولئك الذين لا يفرقون بين أبنائهم وبيننا. الذين كانوا يمسحون دمعتنا قبل أن يمسحوا السبورة. الذين كانت بسمتهم تطعمنا علماً وكبرياء. بسمة لا تشترى، بسمة تقول لك: “أنت تستطيع” حتى وإن كان حذاؤك مرقعاً ودفترك قديماً ومحفظة مهترءة.
كانوا يدخلون القسم في الصباح الباكر، يحملون على أكتافهم ليس الكتب فقط، بل هموم بيوتنا. كانوا يعرفون كل شيء عنا من اليتيم ومن المسكين من لم يأكل، ومن تشاجر مع أخيه، ومن بات خائفاً. ولم يكونوا يطلبون أكثر. كانوا يسعدون بأبسط الأشياء: بتلميذ رفع يده، بإجابة صحيحة، بورقة امتحان نظيفة ، كانوا سعداء بنا .
يقول جبران: “المعلم هو الذي يصنع من الطين إنساناً”.
ونحن كنا ذلك الطين، وهم كانوا الماء والنار معاً.
أتذكر المودة الطاهرة التي كانت بيننا. مودة لا مصلحة فيها ولا خوف. تلميذ يسأل وأستاذ يجيب بصبر نبي. تلميذ يخطئ فيضحك الجميع ثم يصفقون له حين يصيب. لم نكن نطلب أكثر من “أحسنت” مكتوبة بالأحمر في آخر الصفحة. كانت سعادة تكفينا أسبوعاً كاملاً.
الخيال يرفرف فوق مشاعرها. أتخيل ذلك اليوم: البرد الذي جعلنا نلبس الصوف فوق بعضه، والمعلمة التي رتبتنا صفاً صفاً وقالت “استقيموا اولادي بحنان”، والصوت الذي قال “واحد… اثنان… ابتسموا”. فابتسم من ابتسم، وبكى من كان خجولاً، وبقيت الصورة تشهد.
لقد استنزف الطريق الطويل مشاعر احساسي وتوقعاتي وأنا أتأملهم. مشيت كثيراً، ودرّست كثيراً، وتعلمت كثيراً. واليوم لم أعد أشعر بشيء ولا أتوقع شيئاً. لم يعد هناك ما يسمى بالخسائر بالنسبة لي، فكل شيء صار مرحباً بحدوثه. حتى أن أرى نفسي هنا… طفلاً صغيراً في الصف الأمامي، لا يعرف أن الزمن سيجعله يكتب عنهم بعد أربعين عاماً مثل الكتاب.
أربعون سنة مرت. أين ذهب الأستاذ الذي كان يضع يده على كتفك حين تخطئ؟ لعله رحل. وأين المعلمة التي كانت تمسح أنفك بمنديلها؟ مثل امك و أكثر ،لعلها تقاعدت من الدنيا .
يقول نزار قباني: “الصورة تذكارٌ… ولكن من يصدق أن الصورة ستكبر ونحن نصغر؟”
نحن اليوم نكبر، وهم في الصورة لا يكبرون. بقوا هناك في سن العاشرة، وفي سن الاحترام، وفي سن كان المعلم فيها أباً ثانياً.
الصورة لا تكذب، ولكنها أيضاً لا تحكي كل شيء. لا تحكي عن النشيد الذي كان نرفعوه كل صباح وايضا العصا التي كانت للتأديب لا للإيذاء، ولا عن الحلوى التي كانت توزع بعد النجاح، ولا عن الدعاء الذي كان يختم به الدرس.
يقول محمود درويش: “نحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا”.
وهؤلاء المعلمون علمونا السبيل. بالطبشورة، بالصبر، بالكبرياء الذي زرعوه فينا ونحن لا نملك شيئاً.
والآن أعود إلى الصورة أضع إصبعي على كل وجه وأهمس: “رحم الله من رحل منكم، وأطال عمر من بقي”. سامحونا ان نسينا بعض الاسماء ، لأنه لم يبق في عالمنا الجديد لافتات،
سامحونا إن نسينا بعض الدروس، ولكننا لم ننسَ البسمة التي كانت تطعمنا.
شكراً الى صورة ، قد علمتيني كل شيء… إلى أن تذكرت أن التعليم ليس نقل صفحات معرفة معلومات فقط، التعليم هو أن تمنح طفلاً بسمة تجعله يكبر بحرية و بكرامة.
لم تكن أحلامنا أكبر من الحياة. لكن الحياة كانت أصغر من أحلامنا. كنا نحلم ببيت من طين وسقف من قرميد، فأعطتنا الحياة شقة في عمارة لا نعرف جيرانها , حلمنا بدراجة هوائية اكرمتنا الحياة بسيارة لكن لن تأخدك ابعد من طريق الاسفلت، كنا نحلم بوظيفة نخدم بها وطننا، فأعطتنا الحياة ورقة وطابوراً وختماً. كنا نحلم بحب يكبر معنا، فأعطتنا الحياة لقاءً عابراً ورسالة لم تصل.
في الصورة كنا صغاراً، نحمل دفاترنا ونظن أن الغد سيكون امتداداً للفسحة.
المعلم يقول: “اكبروا وستفهمون” فكبرنا وفهمنا أن الفهم وحده لا يكفي.
الأم تقول: “المستقبل لكم” فكبرنا ووجدنا أن المستقبل له وحده.
يقول جبران: “أكبر مصيبة أن تتكلم بكل ما تحس، وأكبر مصيبة أن تسكت وكل ما فيك يتكلم”
ونحن فعلنا الاثنين. تكلمنا فلم يسمعنا أحد، وسكتنا فتخمت قلوبنا ،لقد استنزف الطريق الطويل مشاعري وتوقعاتي.
مشيت خلف أحلامي حتى تورمت قدماي، وناديتها حتى بح صوتي.
واليوم لم أعد أشعر بشيء ولا أتوقع شيئاً.
لم يعد هناك ما يسمى بالخسائر بالنسبة لي، فكل شيء صار مرحباً بحدوثه.
إن جاء الحلم فأهلاً، وإن هرب فأهلاً أيضاً. تعلمت أن أعيش بالنزر القليل، وأن أبتسم بالقليل، وأن أرضى بالقليل… لا لأنني زاهد، بل لأن الحياة علمتني أن الكبير يوجع.
أتذكر صورة الصف. كنا عشرين حلماً جالسين في مقاعد خشبية.
واحد أراد أن يكون طبيباً فصار سائقاً.
واحدة أرادت أن تكون معلمة فصارت ربة بيت.
واحد أراد أن يسافر فبقي…واحد أراد أن يبقى فسافر.
لم تكن أحلامنا كبيرة. كانت على قدّنا. على قد جيوبنا، وعلى قد قلوبنا.
ولكن الحياة… الحياة كانت أضيق من مقاعدنا.
يقول نزار قباني: “ما أتعس الحظ… يأتيك كل شيء متأخراً”
جاءنا النضج بعد أن ذبلت الوردة.
وجاءنا الفهم بعد أن سقط السؤال.
وجاءت الحكمة بعد أن تكسرنا.
والآن أعود إلى تلك الجملة وأكتبها على الحائط:
لم تكن أحلامنا أكبر من الحياة… لكن الحياة كانت أصغر من أحلامنا.
ليس عتاباً. هو اعتراف، اعتراف بأننا حاولنا، وأننا صدقنا، وأننا بقينا بشراً رغم كل شيء.
فشكراً يا حياة. علمتيني كل شيء…
إلى أن تعلمت أن أصغر الحلم كي لا ينكسر، وأن أكبر القلب كي يتسع لكل شيء.