عباسية …عباسية – قصة قصيرة
عباسية …عباسية – قصة قصيرة
يسري ربيع داود

لا زال عقلي الباطن يحنُّ إلى ليلة من ليالي صيف القاهرة، في ميدان العباسية، ملتقى الشباب والعيون الساهرة.
أصوات طقطقة قطع الدومينو، وكركرة النرجيلة، وخشخشة النعال على أرضية الميدان، تتخالط مع نداءات الباعة وأصوات صبيان الميكروباص التي لا يفهمها سوى من يتعامل معهم بصفة يومية:
«ألف مسكن… الحي السابع… رابعة… والطيران».
روائح المأكولات الشعبية المصرية تتداخل، لتعطي الفرصة لعصفور بطني أن يدندن مع صوت الست، ويطلب ما يحلو له من كفتة حاتي الميدان، أو فلافل شعبان، أو حتى كشري الفنان!
كلها أكلات أعشقها، ولكن المهم جيبي…
فلو كان في أول الأسبوع، ما فيش مشكلة، أما لو كان في آخر الأسبوع، فما باليد حيلة… نمشيها كشري!
التسكع في ميدان العباسية له مذاق خاص، والنزول إلى الميدان صار عادة نقطع بها ملل المذاكرة، وندفع بها مرارة الاغتراب عن الأهل والأحباب.
وعندما تقترب الرحلة من الانتهاء، أتأبط جريدة الغد، وأشتري علبة الكشري المعتبرة، لأعود أدراجي إلى المدينة الجامعية.
رحلة في فضاء الذاكرة…
لم تزل تراودني حتى في أحلامي.
هناك، في الشارع المفضي إلى المدينة، حيث ينفضُّ الشارع من أصوات وهمهمات المارة، لتبقى فقط طوارق الليل من القطط والكلاب…
ولا أزال أستمتع بنور القمر يزفني إلى غرفتي.
أستمتع بترديد أغنية الست:
«فكروني إزاي… هوه أنا نسيتك؟»
أرددها وأنا أتمايل معها، حتى أصل إلى باب المدينة.
يطلب مني الأمن كارنيه الدخول…
وعلى غير العادة، أبتسم لهم، وأبرز لهم الكارنيه من بعيد وأنا طَرِب، وأكمل الأغنية، وأنا ألوّح لهم بعلبة الكشري والجريدة المطوية:
«فكروني إزاي… أنا إمتى نسيتك؟
إنت أول حب لي… يا حياتي…»
أطير وأهفو بجناحي…
أنظر إلى أسوار المدينة، أشتم رائحة الهواء النظيف، يلفحني نسيمها الطري، أحتضن القمر.
أسلّم على لاعبيها الذين ما زالوا يلعبون حتى قارب ليل القاهرة على الانتصاف.
أحيّيهم…
حتى أحسست بدمعة دافئة تسقط على شعرات ذقني البيضاء، لتشعرني بأنني ما زلت أحنُّ إلى تلك السنوات.
أيام كنت أتحمل، على مضض، مسؤوليتي أنا فقط…
والآن زادت المسؤولية، واشتعل الرأس شيبًا.
ولا زال صوت دوي قاطني الميدان يرن في أذني، ولا زالت الست تطرب أهلها…
«إنت عمري… إنت عمري…
اللي ابتدى بنورك صباحه…
إنت… إنت… إنت عمري…»