عندما ينعى الإنسان نفسه!
عندما ينعى الإنسان نفسه!
د. يسري ربيع داود

قال: إذا طرق الإنسان منا باب الشيخوخة، فعليه أن ينتبه في كل شيء؛ ينتبه في مشيته كيلا يقع، وأن ينتظر مشكلات صحية كبيرة قبل أن يموت.
قلت له:
- كم عمرك؟
قال:
- ثمانون عامًا.
قلت:
- أتنتظر الموت؟
قال بشجاعة:
- نعم، فهو قريب جدًّا.
قلت له:
- أتخاف الموت؟
قال:
- ولماذا أخافه وهو حق؟
قلت:
- وما شعورك وأنت تستشعر اقترابه؟
قال:
- لا شيء… هو قادم لا محالة. لكن ما أخشاه هو إرهاصاته؛ فلن يأتي فجأة، وإنما سيرسل قبله رسلًا من المرض والألم، يكومني في فراشي، ويؤلمني، ويزعج من حولي، حتى يتمنوا موتي، وقد كنت أدعو لهم بطول العمر.
ثم تنهد وقال:
- لا أحب نظرات الشفقة؛ تبدأ رحيمة، ثم تتحول شيئًا فشيئًا إلى نظراتٍ معلقة بالسماء، مصحوبة بالدعاء: “اللهم خفف عنه… اللهم أرحه.”
ثم ضحك ساخرًا وقال:
- أتدري معنى هذه الكلمات؟ ظاهرها الدعاء، وباطنها أمنية أخرى! لن يقولوا: “اللهم اقبضه إليك”، لكنهم سيقولون: “اللهم أرحه”… وكلها كنايات، والمعنى واحد!
ولما رأى الدموع تترقرق في عيني، أدار دفة الحديث إلى الماضي؛ إلى أيام الصحة والقوة، حين سبق أبناء جيله جميعًا، وإلى أيام كان أبوه يجلس على مصطبة البيت، يحكي له عن الرجولة وأمجاد الزمن الجميل.
قلت:
- ومن كان يجلس معك ليستمع إلى أبيك؟
قال:
- كنت أنا وحدي. كنت أستمع، وأحسن الإصغاء. كان أبي يعلم أنني أكثرهم فهمًا، وكان يقول لي دائمًا: “أنت ذكي ولماح.”
وبعد أن أخذني إلى جمال الماضي، عاد مرة أخرى إلى حديث الوداع.
قال:
- على كل كبير أن ينتبه لوقوفه ولمشيته، وأن يستند إلى الجدار، وأن يمشي على مهل؛ فليست القدم هي القدم، ولا الصحة هي الصحة، ولا “النصاحة” كما كان يصفني أبي.
قلت:
- أترى أن من حولك لن يحتملوك، وقد كنت بينهم بطلًا؟
قال:
- سأضرب لك مثلًا. كانت الأم تحمل صغيرها، وتمسح أذاه، وتتحمل عناءه، وهي تدعو له بالصحة وطول العمر. لكن الابن، حين يشتد عوده، وتكثر مشاغله، قد يتحمل أمه قليلًا، ثم يدعو الله في خلوته أن يريحها، ويقصر أيام معاناتها!
قلت:
- دعنا من حديث الموت، فأنا لا أحبه. حدثني عن الحياة؛ كنتم تعيشون جميعًا في حجرة واحدة، فكيف صرتم في نعمة، وسبقتم غيركم؟
ابتسم ابتسامة فخر وقال:
- كان أبي شقيًّا في صغره، يطاوع شيطانه. وفي يوم، دله أحد جيرانه على رجل في البر التاني، قال له: سيحل لك مشاكلك، ويخلصك من الجنية التي ترافقك!
كدت أستوقفه عند كلمة “الجنية”، لأتأكد أنني سمعتها جيدًا، لكنه ابتسم، وربت على ركبتي، وقال بعينيه قبل لسانه: “عدِّها… ولا تدقق كثيرًا.”
ثم أكمل:
- لما ذهب أبي إلى الرجل، سأله عن أشياء، ثم قال له: لن يستقيم لك حال، ولن يبارك الله لك في ولد، ما دمت على ما أنت عليه. ثم أسدى إليه نصيحة كانت أخطر ما سمعه في حياته.
قلت:
- وما هي؟
قال:
- قال له: صلِّ كل صلاة في وقتها، ولا تؤخرها، فإن ضيعتها ضاعت حياتك، وظلت الجنية ترافقك.
ومنذ ذلك اليوم، لم يفرط أبي في صلاة، وأحب أهل الصلاة، وكره التفريط فيها، ثم أورثنا حبها. وطوال حياتنا، أنا وإخوتي، بقينا متعلقين بالله.
ثم نظر إليَّ نظرة الواثق وقال:
- ذلك يا ولدي هو السبب الحقيقي في الستر الذي تراه أنت، ويراه الناس يغمرنا.
نهض متكئًا على عصاه، ثم مضى إلى الوضوء يستعد لصلاة الظهر.
تأملته وهو يخطو ببطء، فإذا بجسده يخبرني أن العمر قد أثقله، بينما كانت روحه تمضي إلى الصلاة بخفة شاب.
عندها فقط فهمت أن الرجل لم يكن ينعى نفسه، وإنما كان ينعى جسدًا أنهكه الزمن، أما قلبه فما زال متعلقًا بالله كما كان.
خرجت من عنده وأنا أدعو له بطول العمر وحسن الخاتمة، وأقول في نفسي:
لعل السر ليس في أن يطول العمر… وإنما في أن يمتلئ بالطاعة حتى آخر خطوة.
رحم الله كبيرنا ، من كنت آنس بالجلوس بين يديه صباح كل يوم ، أرشف من معين حكمته وأكتب دروسه خشية فراقه . جاء اليوم الذي كنت أخشاه، فلم يصبح صباحي مثل الصباحات السابقة لأنه لم يكن موجودا فيه .
رحم اللهُ أبويا الحج محمد حلمي داود.