قصة قصيرة مترجمة : المسألة اللاتينيّة La question du latinللأديب الفرنسي الراحل: جى دى موباسان
قصة قصيرة مترجمة : المسألة اللاتينيّة La question du latin
للأديب الفرنسي الراحل: جى دى موباسان
ترجمة: عاشور زكي وهبة
تلك المسألة اللاتينيّة التي أرهقتنا فترة من الزمن تذكّرني بقصّة حدثتْ معي أثناء شبابي.
كنتُ حينها أكملُ دراستي عند تاجر لأطعمة الجُند بمدينة كبيرة في قلب البلد بمؤسسة «روبينو» التعليمية، وهي مؤسسة تشتهرُ في كلّ الإقليم بقوة الدراسات اللاتينية القائمة بها.
منذ عشر سنوات فازت مؤسسة «روبينو» في جميع المسابقات على المدرسة الثانويّة الإمبراطوريّة بالمدينة وعلى كل المجامع التعليميّة بالمقاطعات الفرعية، وقِيلَ أنّ فضل نجاحاتها الدائمة يعود إلى أحد المُعلِّمينَ، وهو مُعلِّم بسيط يُدعَى مسيو «پِكْدَن»، أو بالأحرى العمُّ «پِكْدَن».
كانَ كهلًا متوسطَ العمرِ أشيبَ الشعرِ تمامًا، يتعذَّرُ معرفة سِنِّه الحقيقيّ، وتُكشفُ حكايتُهُ من أول نظرة. امتهنَ وظيفةَ مُعلّم في سِنِّ العشرين داخل مؤسسة عاديّة ليتابعَ دراستَه حتى يحصل على ليسانس الآداب بدايةً، ثمّ الدكتوراة فيما بعد. لكنّه وجد نفسه ساقطًا في دوامةِ حياةٍ كئيبةٍ أبقتْهُ مُعلِّمًا طوالَ حياتِهِ.
لكنه لم يدعْ حبَّه لللاتينية حتّى أنهكَه لدرجةِ العشقِ الخطرِ؛ إذ استمرَ في قراءةِ الكتاباتِ اللاتينيّةِ للشعراء والناثرينَ والمؤرخين وترجمتها والتعمّق فيها بالشرح والتحليل بدأبٍ ومثابرةٍ بلغتْ حدّ الهوسِ والجنون.
ذاتَ يومٍ جاءتْه فكرةُ إجبارِ كلّ طلبة قاعتِه على ألّا يجيبونه بغيرِ اللاتينيّة، وأصرَّ على ذلك القرار حتّى بلغوا درجةَ القدرة على الحديث الكامل معه بها كما يتكلّمونَ لغتَهم الأمّ.
كان ينصتُ إليهم كإنصاتِ قائد أوركسترا لموسيقى عازفيه قارعًا في كلّ لحظةٍ مَقْرَأه بمسطرته قائلًا تارةً:
ـ أيها السيد «لوفرير».. لقد وقعتَ في خطإٍ نحويٍّ.. ألا تتذكّر القاعدةَ؟!…
ومُعقِّبًا طورًا آخر:
ـ أيها السيد «پلانتيل».. صيغة جُملتِكَ ذات أصلٍ فرنسيٍّ بالكاملِ، وليسَ لاتينيًّا. لا بُدَّ من معرفة عبقرية أيّ لغةٍ.. هيّا.. أنصتْ إلىَّ…
وعلى تلك الحالة حتى استحوذَ طلبة مؤسسة «روبينو» في نهاية العام على جميع جوائز الخطابة والترجمة من وإلى اللاتينيّة.
وفي العام التالي فإن صاحب المؤسسة ـ وهو رجلٌ قصيرٌ مكيرٌ كقردٍ ذو سحنةٍ عبوسةٍ ومُضحِكةٍ ـ قامَ بنشر خطط عمله وإعلاناته في الصحف، وخطَّ بالألوانِ على باب مؤسسته:
« حقل التخصّصِ في الدراساتِ اللاتينيّة ـ اقتناص الجوائز الخمس الأولى في فصول الدراسة الخمسة بالمرحلة الثانويّة»
« جائزتا مرتبة الشرف الأولى في المسابقة العامّة لكلّ المدارس الثانويّة والمجامع الدراسيّة الفرنسيّة».
وخلال عشرة أعوام احتفلت مؤسسة «روبينو» بالنصر بنفس الطريقة.
ولأنّ والدي قد افتتنَ بتلك النجاحات، ألحقني كطالب خارجي بمؤسسة «روبينو» الذي كُنّا نُطلِقُ عليه «روبينيتو» أو «روبينتينو»، وجعلني أتلقّى دروسًا خصوصيَّةً مُتخصّصةً مع العم «پِكْدَن» بخمسة فرنكات في الساعة، يقبضُ منها المُعلّمُ فرانكينِ، في حين يحصل صاحب المؤسسة على ثلاثة فرانكات. آنذاكَ كان عمري ثمانية عشر عامًا، وأدرسُ الفلسفةَ.
تلقَّيتُ تلك الدروس الخاصّة في غرفة صغيرة تطلُّ على الشارعِ. وحدثَ أنَّ العمَّ «پِكْدَن» كان عوضًا عن الحديثِ معي باللاتينيّة وفقَ ما تقتضيه الدراسةُ، حكى لي عن ههومه بالفرنسيّة؛ إذ كان ذلك الرجل الطيب المسكين بلا أقارب ولا أصدقاء، وتعلّقَ بمحبَّتي حتى سكبَ في قلبي آلامَه وشجونه. فلم يتحدَّثْ وجهًا لوجهٍ مع أي شخصٍ منذ عشر أو خمسة عشر سنةً، وقد قال لي عن نفسه:
ـ إنَّني كشجرة بلوطٍ في صحراء!
ثمّ أعقب ذلك القول باللاتينية:
Sicut quercus in solitudine.
أي: أنّه كسنديانة معزولة.
وكان المعلّمون الآخرون ينفرونَ منه، فلم يتعرَّفْ على أحدٍ في المدينة، بحيثُ لم يكن لديه خيارٌ على إقامة صداقات أو علاقات مع أحد. ثمّ قال لي:
ـ حتّى الليالي ـ يا صديقي ـ أشدّ وطأةً علىَّ. وكلّ حلمي في الحياة امتلاكُ غرفةٍ بها أثاثي وكتبي وأغراضي التافهة التي تخصُّني، ولا يحقّ للآخرينَ أن يلمسوها.. أنا لا أمتلكُ إلا سروال وسترة طويلة، بلا فراشٍ ولا وسادة! ولا أحظى بأربعة جدران أنزوي فيهم مُنفرِدًا، باستثناءِ تلك الغرفة حينما تأتي لتأخذ الدرسَ.
هل تدركُ حضرتكَ ذلكَ، بأنّ إنسانًا يقضي كلَّ حياته دون أن يمتلك أبدًا الحقَّ ودونَ أن يجدَ الوقت للخلوةِ وحيدًا ـ لا يهمّ أي مكان ـ لأجل أن يفكّرَ ويتفكّر، لكي يعملَ ويحلمَ؟!.. آهٍ يا عزيزي! إنّ غاية سعادتي الوحيدة امتلاك مفتاح.. مفتاح بابٍ يمكنني غلقَهُ!
إذ إنّني ها هنا.. خلال النهار أدرسُ لكلّ أولئك الصبيان الوقحينَ الذين لا يكفّونَ عن الحركة، وأثناء الليل أرقدُ مع نفس أولئك الصبية السوقيينَ الذين يشخرون ويغطّون في نومهم.
وأنام على فراشٍ عامٍّ في طرف صفيّنِ من تلكَ الأسِرَّة مع أولئك الأجلافِ الذينَ يتوجّبُ علىَّ حراستهم. فلا يمكنني أن أكونَ بمفردي أبدًا وللأبدِ!
وإذا خرجتُ أجدُ الشارعَ مُكتظًّا بالمارّةِ، وحينما أتعبُ من السيرِ، أدلفُ أحد المقاهي المُفعَمة بالمدخّنينَ ولاعبي البلياردو. يحقُّ لي أن أقولَ لكَ بأن ذلكَ جحيم سجنِ الأشغال الشاقّة بعينه!
وحينما سألتَهُ:
ـ لم لا تمتهنُ عملًا آخر مسيو «پِكْدَن»؟!
صاحَ صارخًا:
ـ وكيف لي يا صديقي الصغير؟ كيفَ؟! لستُ صانعَ أحذيةٍ، ولا نجّارًا ولا تاجرَ قبّعاتٍ، ولستُ خبازًا ولا حلّاقًا. لا أعلمُ شيئًا إلّا اللاتينيّة، ولا أحظى بشهادة رسميّة تسمح لي باستغلالها بأسعارٍ غاليّةٍ. إذ لو كنتُ حصلتُ على الدكتوراة مثلًا، لأمكنني الحصول على مائة فرانك، بدل قبض مائة فلس وبأقل جودةٍ ممكنةٍ؛ لأن لقب الدكتوراة سيكفي لدعم شهرتي.
وكان يقول لي أحيانًا أخرى:
ـ لا أجدُ راحةً في الحياةِ إلّا الساعات التي أقضيها مع حضرتك. لا تخشْ شيئًا، فلن يفوتكَ شيءٍ من الدراسة، بل سأعوّضكَ عن هذا التقصير بأن أجعلك تتحدث اللاتينيّة بطلاقةٍ تفوق أضعاف الآخرينَ.
تجرأتُ يومًا وقدّمتُ له سيجارًا، فتطلّعَ لي مليًّا بذهولٍ في البداية، ثمّ نظر إلى البابِ قائلًا:
ـ هيّا بها إلى الداخل يا عزيزي!
فقلت له: ـ أجل.. فلندخّن عند النافذة.
وذهبنا نستندُ بمرفقينا على النافذة المُطلَّة على الشارع، ونخفي في راحتىّ يدينا المكوّرتينِ كقشرتا جوز الهند لفافتىّ التبغ الرقيقتين.
في مقابلنا كان يوجد محل لكيِّ الملابسِ تعمل به أربع نساء يرتدينَ قمصانًا بيضاء ويحركنَ المكواة الثقيلة الساخنة المُنبَعِث منها البخار على الملابس المنبسطة أمامهنَ.
وفجأةً ظهرتْ فتاةٌ أخرى خامسة حاملةً بذراعها سلةً كبيرة جعلتها تحني خصرها، خرجتْ لتعيدَ للزبائن قمصانهم ومناديلهم وملاءاتهم. وقفت على الباب؛ لأنها كانت مُتعَبةً بالفعل، ثمّ رفعت عينيها، وابتسمتْ لدى رؤيتها لنا نُدخّنُ، وألقت علينا بيدها الطليقة قبلةً ساخرةً لعاملةٍ لا مُباليّةٍ، ورحلت بخطواتٍ بطيئةٍ تجرُّ حذاءها.
كانت فتاةً في العشرين من العمر قصيرة نحيفة قليلًا على قدرٍ من الجمال، ذات مظهرٍ طفوليّ وعينينِ ساخرتينِ مرحتينِ تحتَ شعرٍ أشقرَ غير مُصفَّفٍ بعنايةٍ.
انفعلَ العمّ «پِكْدَن» هامسًا:
ـ يا لها من مهنةٍ شاقَّةٍ لامرأةٍ! مهنةً جديرةً بحصانٍ..
وترفَّقَ مُتأثِّرًا ببؤس الشعب، إذ حَظِيَ بقلبٍ مُتحمّسٍ لديموقراطيّ رقيق العواطف، وتحدّثَ عن هموم العمّال ومتاعبهم بعباراتٍ مُقتبَسةٍ من جان جاك روسّو وسيلان الدمع اللاإراديّ يبلغ حلقومَهُ.
وفي اليوم التالي، بينما كنا مُتكئينِ على نفس النافذة، لمحتنا العاملةُ نفسُها ونادتْ علينا بصوت خفيضٍ وبحركة ساخرةٍ بيديها:
ـ صباح الخير أيها الطالبانِ!
ألقيتُ لها سيجارًا فبدأتْ بتدخينها في الحال. وهرعت عاملات الكَيِّ الأربع الأخريات على الباب يبسطنَ أيديهنَ لأجل الحصول على سجائر أيضًا.
وفي كلّ يوم حدثَت علاقة مودّة بين عاملات العنبر وخاملي النزل الداخلي.
لقد كان العمّ «پِكْدَن» مُضحِكًا بحقٍّ عند رؤيته؛ إذ بدا مُضطَرِبًا لكونه مكشوفًا خشيةَ فقدان وظيفته، ويقوم بحركاتٍ خجولةٍ مَرٌحةٍ لعاشقٍ على خشبة المسرحِ، وقد ردّتْ النسوةُ بوابلٍ من القُبلاتِ.
واختمرتْ فكرةٌ ماكرةٌ في رأسي. ذاتَ يومٍ، لدى دخولي غرفتنا، قلتُ بصوتٍ خفيضٍ للمُعلّم العجوز:
ـ لن تصدّقني يا مسيو «پِكْدَن»، لقد قابلتُ عاملة المغسلة الصغيرة.. حضرتك تعرفها جيدًا.. صاحبة السلّة، وتحدّثتُ معها!
فسألني قَلِقًا قليلًا وبنغمةٍ أثارتني:
ـ وماذا قالت لحضرتك؟!
ـ يا إلهي! لقد قالت لي.. قالت لي.. بأنها تستلطفك وتستحسنك للغاية.. وأعتقدُ.. أعتقدُ من أعماق قلبي بأنّها مُتيَّمةٌ بسيادتك…
رأيتُ شحوبَهُ، فأردف:
ـ إنّها تسخرُ منّي دون شكٍّ.. إنّ مثل أولئكَ النسوة لن يرقْ لهنَ مَنْ في مثل عمري.
فرددتُ بوقارٍ رصينٍ:
ـ ما سبب ذلك إذن؟ إنَّك ذو هيئة حسنةٍ جدًّا.
ولأنّنِي قد شعرتُ بتأثرِه بحيلتي، فلم أواصل حديثي.
لكن كلّ يوم كنتُ أدّعي مقابلة الفتاة، وأحدّثه عنها لدرجة أن انتهى به الحال إلى تصديقي، بحيث كان يرسلُ للعاملة قبلاتٍ حارَّةً واثقةً.
حتّى حدث ذات صباح لدى عودتي إلى النزلِ أن قابلتُ الفتاة فعلًا، واقتربتُ منها دون تردد وكأنني كنتُ أعرفها منذ عشر سنوات، وقلت لها:
ـ صباحُ الخير يا أنستي.. هل حضرتك بخير؟
ـ بخير صحّة يا سيدي.. شكرًا لحضرتك.
ـ هل تودّينَ سيجارًا؟
ـ أوه.. ليس في الشارع.
ـ ستدخنينها داخل محلكم.
ـ إذن.. أودّ ذلك بحقٍّ.
ـ قولي لي يا أنستي.. ألا تعلمينَ حقًّا؟!
ـ ماذا أعلمُ يا سيدي؟
ـ العجوز.. أقصدُ معلّمي العجوز.
ـ تقصدُ العمّ «پِكْدَن»؟
ـ أجل.. العمّ «پِكْدَن»..هل حضرتك تعرفين اسمه إذن؟
ـ قسمًا أعلم.. وماذا بعد؟
ـ إنّه مُتَيَّمٌ بحضرتك حقًّا!
طفقتْ تضحكُ كالمجنونة، وصاحت:
ـ يا لها من مزحةٍ مُضحِكةٍ!
ـ كلا.. ليست مزحةً.. إنّه يُحدّثني عن حضرتك طوال فترة الحصص، وأراهنُ بأنّه سيتزوّجكِ بالتأكيدِ.
كفّتْ عن الضحكِ؛ لأنّ فكرة الزواج تجعل كلّ الفتيات صارمات وقورات. ثمّ كرَّرت بشكٍّ:
ـ تلك مزحة.. يا لها من مزحة!
ـ أقسمُ لحضرتك بأنني صادقٌ في قولي.
فالتقطتْ سلّتها الموضوعة أمامَ قدميها، وقالت:
ـ سأفكّر في الأمر بالتأكيد!
ورحلت لحال سبيلها.
ولجتُ النزلَ في الحال، وانتحيتُ بالعمّ «پِكْدَن» جانبًا، وقلتُ له:
ـ لا بدَّ أن تكتبَ لها رسالةً.. إنّها تعشقُ حضرتك بجنون.
وكتبَ لها رسالةً طويلةً بالغةَ الرقّة والعذوبة، ومُفعَمةً بالعبارات والتشبيهات والإستعارات والفلسفة والغزل الجامعي اللطيف، وكأنّها تحفة حقيقية بديعة في فنّ الرسائل ذات اللطف المُضحِك، وقد تعهَّدتُ بتسليمها للفتاة الشابّة.
قرأتها بجديّةٍ ووقارٍ مُفعَمٍ بالعاطفة، ثمّ تمتمتْ:
ـ كم هو كاتبٌ جيّدٌ! أرى أنّه تلقّى تعليمًا راقيًّا.. فهل سيتزوّجُني بصدقٍ؟!
أجبتها بشجاعةٍ وإصرارٍ:
ـ بالتأكيد.. لقد فقدَ عقلَه من حُبّكِ.
ـ إذًا لا بدّ أن يدعوني للعشاءِ يوم الأحد في جزيرة الأزهار.
ووعدتُها بأن يدعوها.
وقد تأثرَ العمّ «پكدَن» تأثرًا بالغًا بكلّ ما قصصتُهُ عنها، وأضفتُ:
ـ إنّها تعشقُ سيادتك مسيو «پكدَن»، وأعتقدُ بأنّها فتاةٌ شريفةٌ عفيفةٌ، فلا ينبغي أن تغويها وتهجرها بعد ذلك.
فردّ بثقةٍ وحزمٍ:
ـ وأنا أيضًا رجلٌ شريف عفيفٌ يا صديقي.
أعترفُ بأنّني لم يكن لدَىّ خُطّةّ، وما قمتُ به ليس إلّا مزحة.. مزحة مُبتدئ لا أكثر، لقد خمّنتُ بساطة المُعلّم العجوز، وبراءته ونقطة ضعفه. كنتُ ألهو دون أن أسأل نفسي عمّا ستؤول إليه الأحداث. كنت في الثامنة عشر من عمري، واشتهرتُ بالمزاح الماكر في المدرسة الثانوية منذ مدّة طويلة.
والحالة تلك اتفقنا أنا والعمّ «پكدَن» على الرحيل بعربة جياد حتى معدية «كو دى ڤاش» حيث نجد «أُنچيل»، وأجعلهما يركبان قاربي؛ لأنني كنتُ على دراية بالتجديف في ذلك الوقت، وأقودهما بعد ذلك إلى جزيرة الأزهار حيث نتناول ثلاثتنا العشاء معًا. وقد فرضتُ وجودي لأستمتع جيدًا بانتصاري، وبموافقة العجوز لتدبيري أثبتَ بحقٍّ أنّه فقد عقله عن طريق تعريض نفسه لفقدان وظيفته بالمؤسسة.
حينما وصلنا إلى المعدّية حيث كان قاربي راسيًّا منذ الصباح، لمحت داخل الحشائش أو بالأحرى من أعلى الحشائش الطويلة للشطّ مِظَّلة حمراء ضخمة، تشبه شجرة خشخاش عملاقة. وكانت تنتظرنا تحت المِظلّة عاملة المغسلة الشابّة بزي الآحاد. اندهشتُ فقد كانت رقيقةً حقًّا رغم شحوبها، ورشيقةً رغم هيئتها ذات المظهر الحضري البسيط.
خلع العمّ «پكدَن» لها قبّعته وانحنى احترامًا. مدّتْ له يدها، وتطلّعا لبعضهما دون أن يتفوها بكلمة، ثم ركبا قاربي، وقبضت على المجدافينِ.
جلسا جنبًا بجنبٍ على المقعد الخلفي.
تكلّم العجوز أولًا قائلًا:
ـ هذا طقسٌ جميلٌ لنزهةٍ بقاربٍ.
فردّت هامسةً: أي نعم!
ومررتْ يدها في تيّار الماء تلمسه بأصابعها فأثار خطًّا دقيقًا شفافًا يشبه لوحًا من الزجاج، وأحدث صوتًا خفيفا كالبقبقة اللطيفة على امتداد القارب.
وحينما وصلنا إلى المطعم بادرت بالحديث طالبةً العشاء: مقليات ولحم دجاج وسلطة، ثمّ قادتنا داخل الجزيرة التي تحفظ دروبها عن ظهر قلب.
وكانت آنذاك مَرِحةً طفولية وساخرة إلى حدٍّ ما.
وحتّى التحلية لم يكن الأمر مسألة حُبّ، وقدمت الشمبانيا وثملَ العمّ «پكدَن»، كما صارت هي ثملةً قليلًا، فنادته:
ـ مسيو «پكنيه»!
ردّ عليها فجأة:
ـ يا أنستي.. لقد أخبرَك مسيو «راؤول» بمشاعري تجاهكم.
فبدت جادّةً كقاضٍ صارمٍ قائلة:
ـ أجل يا سيدي!
ـ هل أجبتم عليه؟
ـ نحن لا نجيبُ أبدًا على تلك المسائل والأمور.
فزفر من شدة العاطفة قائلًا:
ـ هل سيأتي يومٌ في النهاية حيث يمكنكِ الإعجابَ بي.
فابتسمت قائلة:
ـ يا لكَ من طيبٍ كبير! حضرتك لطيف للغاية.
ـ في نهاية المطاف هل تعتقدينَ فيما بعد بأن بإمكاننا أن…
تردّدت لحظةً قبل أن تجيب بصوتٍ مُرتَجِفٍ:
ـ لأجل أن تتزوّجني تقصد ذلك؟ لأنّ ليس هناك أمر خلاف ذلك كما تعلم حضرتك.
ـ أجل يا أنستي!
ـ بالطبع.. هذا جيد مسيو «پكنيه».
وبتلك الطريقة تواعد هذان الزرزوان على الزواج بواسطة مزحة ولد مهزار. لكن لم أصدّق جديّة الأمر، وربما لم يصدقا أيضًا، فقالت مُتردّدة:
ـ ليكن في علم حضرتك.. إنّني لا أملك نقودًا، ولا أربعة فلسات.
ولأنّه كان ثملًا مثل «سيلين»، قال مُتلعثِمًا:
ـ أنا.. أدّخرُ خمسة آلاف فرنك.
فصاحت بانتصار:
ـ بالتالي هل سيمكننا التدبير والاستقرار؟
فأظهر قلقهُ مُتسائلًا:
ـ ماذا ندبّر؟ وعلام نستقرُ؟
ـ هل أعلم أنا؟ سنرى.. بخمسة آلاف فرنك نفعل الكثير من الأمور. ألّا تودّ حضرتك أن أسكن داخل مدرستكم الداخليّة؟ أليس كذلك؟!
لم يكن متوقّعًا قطّ بلوغ ذلك الحدّ، تمتمَ في حيرةٍ شديدةٍ قائلًا:
ـ علام نستقر؟ إن ذلك الوضع ليس ملائمًا! كما أنّني لا أعرف علمًا غير اللاتينيّة.
فكّرتْ بدورها، وقد وردت على ذهنها كلّ المهن التي كانت تطمح إليها، ثمّ سألته:
ـ ألا يمكن لحضرتك أن تكون طبيبًا؟
ـ لا.. ليس لدىّ شهادة علمية لممارسة الطبّ.
ـ ولا صيدلانيًّا؟
ـ ولا تلك المهنة..
فأطلقت صيحة فرحٍ كمن عثرَ على شيء مفقود قائلةً:
ـ إذن سنشتري محل بقالة.. يا له من حظّ سعيد!.. سنشتري محل بقالة ليس ضخمًا مثلًا بخمسة آلف فرانك.. لن نذهب بعيدًا.
فثارَ قائلًا:
ـ كلّا.. لا يمكنُ أن أصيرَ بقّالًا.. إنّي.. إنّني معروفٌ جدًّا.. لا أحيطُ علمًا إلّا.. إلّا باللاتينيّة.. أنا..
لكنها سكبتْ داخل فمّه كأسًا مُفعَمًا بالشمبانيا فابتلعه وصمتَ.
ركبنا القاربَ مرّةً أخرى، وكان الليل مُظلِمًا شديد الحلكة؛ ومش ذلك رأيتهما بوضوح يتشبثانِ ببعضهما البعض من الخصر، ويتبادلانِ القبلاتِ والأحضانَ عدّة مرّاتٍ.
وقد وقعت كارثةٌ رهيبةٌ حينما اُكتُشِفتْ مغامرتنا الطائشة، وطُرِدَ العمّ «پكدَن»، وأرسلني والدي حانقًا لإكمال دراستي للفلسفة في مدرسة «ريبوديه» الداخليّة.
وحصلتُ على شهادة البكالوريا بعد ستة أساليب، ثمّ ذهبتُ إلى باريس لدراسة القانون، ولم أعدْ إلى مدينتي مسقط رأسي إلّا بعد عامينِ.
وعند مُنعطف شارع «السربون» لفتَ انتباهي أحد المتاجر، قرأتُ لافتةً مكتوبًا عليها:« منتجات المُستعمرات..پِكْدَن»، وأسفل منها مُدوّن لأجل إخبار الأكثر جهلًا «بقالة».
صحتُ عاليًّا باللاتينية:
- Quantum mutatus ab illo!
فرفعَ رأسه تاركًا زبونته وهرعَ نحوي باسطًا يديه قائلًا:
ـ آهٍ يا صديقي الشابّ..يا صديقي العزيز.. ها أنتم ذا ها هنا! يا لحسن حظي! كم أنا محظوظٌ!
وفجأة تركت سيد جميلة مُمتلئة طاولة الحساب، وألقت بنفسها على صوري، وواجهتُ صعوبةً في التعرف عليها، فقد صارتْ بدينة جدًّا.
فسألتُ:
ـ كيف حالكم إذن؟
كان «پِكْدَن» قد عاد يَزِنُ للزبونة، وأجاب فَرِحًا:
ـ أوه.. في أحسن حال.. في حال جيدٍ جدًّا.. فقد ربحتُ ثلاثة آلاف فرنك صافيّة هذا العام!
ـ وماذا عن اللغة اللاتينيّة يا مسيو «پِكْدَن»؟
ـ أوه.. يا إلهي! اللاتينيّة.. اللاتينيّة.. كما تعلم.. إنَّ اللاتينيّة لا تُطعِمُ رجلَها الراهبَ المُتعبّدَ في محرابها!