مرآة الغرباء – قصة قصيرة
مرآة الغرباء – قصة قصيرة
الأديب طواهري امحمد

كلما داهمني طيف الماضي، فتحت دفتر أيامي. لا لأقرأه، بل لألتمس فيه أثري، لعل حرفاً نائماً بين السطور يوقظني من سباتي، ويردني إلى عهد كنت فيه أنا.
أوراق كتاب صفراء راقدة في ركن رفوف دواليب النسيان. أهفو إليها بيد مرتعشة كما يهفو الظامئ إلى السراب، ثم أتراجع. أخشى أن أفتحها فأجدني غريباً عن خطي، وضيفاً ثقيلاً على عمري.
كنت هنا.. يشهد على ذلك ارتباكي، وتلك الرعدة التي تسري في عروقي كلما لامس اسمي شفتي. ولكن من أنا؟
وا عجباه! أن يصبح المرء سؤالاً لنفسه، وجواباً ضائعاً في متاهة الأيام.
أحتك بذاكرتي فلا أقدح ناراً، ولا أستخرج ضياءً. إنما أثير غباراً كان بالأمس بركان أسئلة، واليوم رماد صمت.
كانت رفوف من الكتب هنا ، ويهمس القلب: لعلها كانت غير ذلك.
كان لي حار ولكن لا أتذكر اسمه.
فأي بلاء أعظم من أن ينحدر اليقين إلى ظن، وأن يصير الإنسان احتمالاً في عين نفسه؟
ألمس صفحات الأوراق فتذروها الريح من بين أناملي، كأني أذري ما تبقى مني. لقد صار العمر هشاً، يخشى اللمس، ويخاف الملامح الجديدة والحقيقة.
وفي شارع و المقهى وجوه تمر كالسحاب. أجمعها كما يجمع الغريب أوطانه من ذاكرة مثقوبة. حديث عن العمر، وعن الغياب، وعن جسد استوطنه الداء. وأنا أهز رأسي كمن يفهم، وهو لا يفهم.
صافحني احدهم فارتجفت. أأعرفه؟ لا. ولكني أشعر أن عليّ أن أعرفه.
عدت إلى البيت، ومعي فتى يقول إنه فلذة كبدي. يرتب أيامي، ويقوم على شأني، ويبكي إن مسني وجع.
وكل مساء يسألني: أتذكرني؟ فأومئ برأسي. ومن أنت؟ فيضيع السؤال في بئر النسيان قبل أن يجيبه صمتي .
الحيرة ما زالت مكانها. والدفتر مفتوح على سطر كتبته يد غائبة اناملها كنت تشبه اناملي
وخاتمة مرسوم عليها توقيع يشبه إسمي ،
فأطبقت عليه برفق، خوف أن يطير مني آخر عهد اعرفه قليلا.
إني لم أنسَ.. ولكني ضللت الطريق إلى نفسي.
النسيان وجع، وهذا داء صامت يأكلني بلا صراخ.
وفي آخر الليل أغلق دفتري وأمضي خفيفاً، كمن فرغ من كتابة عمره دون أن يتذكره.
أهذا أنا الذي دوخت القرطاس بحبري؟ الذي كنت أختم كل حرف بـعطر..؟
أنظر في المرآة فأرى شبحاً. فأبتسم له، وأقول:
ربما أنا نسخة قديمة أكل مرض الزهايمر ملامح حروفها