نقد : دراسة لقصيدة ” متاهة عمر ” للشاعر معوض حلمي – تقدمها الأستاذة سكينة جوهر
نقد : دراسة لقصيدة ” متاهة عمر ” للشاعر معوض حلمي – تقدمها الأستاذة سكينة جوهر
القصيدة :
[[ في متاهة عمر اتشق لميت سرداب
فتحت الباب
معرفتش اروح على حلمي منين
فسرقني حنين
للتوته الواقفه هناك في الطل
بتنادي بعلو الصوت فين الغايبين
وبتسأل عن قلبين عاشقين مروا
ودموع تايهين م العين كروا
سايبين أسرار ، حكايات ، أحلام
وكلام لساه بيرن صداه في الغيط الواسع
فيلم طيور حوالين الساقية الدايرة في عز الضهر
فركبت المهر
وروحت أعيد الذكرى النايمه في قلبي هناك
واشوف الحرفين
لساهم ماسكين في إيدين بعض
مالقيتش التوته ،
قطعوها ولاد الإيه الآسيين
ماسابوش الغنوه تحايل في الأحزان وتهد
ولاسابوا الحب يداوي الآه وحنانه يمد
وقعدت أدور ع الغصن الشايل أول حرفين من أساميهم
وانا قلبي عشانهم ملهوف زعلان
وسمعت العين ( ع ) م الضيم بتنوح
عديت ع الشط التاني لقيت الميم ( م ) نايم مدبوح
لملمت الدم السايل منه وشيلته وعديت للعين ( ع )
بدموعي النازلين ع الخدين صب
مدت أيدها وطلبت بس تضمه أخر ضمه
ويادوب ، لمسته بإيديها وطلعت منها الروح
والمشهد صعب
فحفرت القبر ودفنت ال اتنين
وعملت الشاهد نفس الغصن
وكتبت عليه
،، الرحمه يارب ،،
،، في الزمن القاسي ،، بيموت الحب ،، ]]بقلمي معوض حلمي الفلاح الفصيح
منشأة بطاش تمي الأمديد دقهلية
الدراسة النقدية للأستاذة سكينة جوهر

منذ سمعت هذه القصيدة من شاعرنا المتألق الفلاح الفصيح (معوض حلمي) وأنا أعيشها من ألفها ليائها شعراً وشعوراً حيث اجتذبت ذائقتي النقدية خاصة لما لمحته فيها من تجديد في كتابة شاعرنا أعتبره ( اتجاه إلى الرمزية ) وهذا هو الشاعر الحق الذي يحاول التجديد في شعره ولايقف عند حد معين فيه ..
بدايةً من العنوان المكثف جداً ( مَتاهةُ عُمْر) والذي يتكون من كلمتين اثنتين فقط (مضاف ومضاف إليه ) إلا أنه يفتح أمام القارئ فضاءً واسعًا من الدلالات.
حيث «المتاهة» في معناها المباشر تعني : المكان الذي تتعدد فيه الطرق وتتشعب وربما تلتوي ويصعب الاهتداء إلى مخرج منها ، ولكن حين أضافها شاعرنا إلى «العمر» فإنها انتقلت من معناها المكاني إلى معنى نفسي ووجودي .
فالعمر ( سنوات الحياة ) يبدو عند الشاعر كأنه طريق متشعب طويل ، ضاعت فيه أحلامه ، وتاهت الذكريات ، ولم يعد يعرف أية طريق يسلكها للوصول إلى ما كان يتمناه ..
** ومن هنا فأنا أرى أن تلك القصيدة تقوم على بناء رمزي واضح استمدت من خلاله لغتها ( العامية المصرية ) لا بوصفها لغة سهلة ومباشرة فقط ، وإنما بوصفها لغة شعرية قادرة على حمل الحزن والحنين والرمز والتأمل والإسقاط مثل الفصحى تماما . ..
….
وفيما يلي تحليلي للقصيدة بداية من عنوانها ، مع إبراز دلالاتها الرمزية جماليات صورها الشعرية وإيحاءات التركيب التعبيري و اللغة كما يلي :
1 ـ دلالة العنوان وماتوحي به ( متاهة عمر)
يقول شاعرنا الفلاح الفصيح (معوض حلمي )
[ في متاهة عمر اتشق لميت سرداب
فتحت الباب
معرفتش أروح على حلمي منين]
** فشاعرنا يبدأ قصيدته من قلب المتاهة ، لا من خارجها . و لا يقول مباشرة مثلاً: (ضاعت حياتي) ، ولكنه يستخدم لغته العامية في اقتدار و تمكُّن و يصور العمر بمتاهة في استعارة جميلة ، ثم يضيفها للعمر (متاهة عمر ) في تعبير موجز يحمل تكثيفاً جاذباً في رمزية إلى أنه يتحدث عن (متاهة عمر) لا ( عمر تاه ) ، ثم الفعل (اتشق ) جاء ماضيا للتحقق من حدوث الانشقاق وثبوته ، وإمعانا في شدة الانشقاق وزيادة ألمه يقول شاعرنا (اتشق لميت سرداب) ليس سردابا واحدا ولكن مائة .
**ومن هذا التصوير البياني الرائع (اتشق لميت سرداب ) يجسم لنا الشاعر مقدار معاناته الشعورية والضيق الذي يشحنه لنا في كلمة ( سرداب ) يرمز به إلى أن خروجه من (متاهة العمر ) شديد الصعوبة .
وهنا يفاجئنا الشاعر بمفارقة شعرية جميلة جاذبة ومؤثرة :
( فتحت الباب ) ولكن هل هو بذلك يعني الوصول لمراده والخروج من المتاهة ؟؟؟ لا ، بل قد يقودنا إلى مزيد من الحيرة في كيفية الوصول إلى حلمه (معرفتش اروح على حلمي منين ) ؟؟؟ .
فالباب الذي يُفترض أن يكون منفذًا للخلاص ومنقذا للتوهان يصبح مدخلًا ربما إلى أليم الذكريات .
** ومن هنا يمكنني القول بأن العنوان (متاهة عمر ) يمثل المفتاح الدلالي للقصيدة كلها ؛ حيث أن كل ما يأتي بعده ماهو إلا رحلة داخل هذه المتاهة : رحلة فيها مائة سرداب طريقها شاق ضيق متشعب يبدأ فيها الشاعر بالبحث عن الحلم ، ثم ينحرف إلى الحنين بالذكريات ، ثم يستعيد قصة حب قديمة ، وتنتهي بموت الحبيبين ( رمزيًا ) ودفنهما .
…
2 ـ الوحدة الشعورية في القصيدة و التحوّل من حيرة الحلم إلى الحنين
عندما تابعت القصيدة لآخرها لاحظت جيدا صدقها الشعوري متمثلا في تجربتها الإنسانية الذاتية (للشاعر) والعامة الرائعة (لعامة الناس)و التي تكمن
في (البحث عن الحب ، الفضيلة ) ، كما رأيت فيها الوحدة الشعورية ظاهرة جلية في نسج شعري متماسك ..
حيث يقول شاعرنا : [ معرفتش أروح على حلمي منين
فسرقني حنين للتوتة الواقفة هناك ]فالواضح هنا الانتقال من (الحلم) إلى (الحنين) انتقال يساهم في الوحدة الشعورية للقصيدة حيث عندما ضاع الحلم لم يجد الشاعر إلا الانقياد للحنين .
فالحلم يتجه إلى المستقبل ، أما الحنين فيعيد شاعرنا إلى الماضي. وكأن شاعرنا يعجز عن التقدم نحو المستقبل ، فيعود قسرًا إلى الماضي .
والتعبير بجملة : ( فسرقني حنين التوتة ) يجعل من التوتة أجمل صورة بلاغية رمزية في القصيدة ؛ لأن شاعرنا صور الحنين هنا بصورة شخص سارق في ( استعارة مكنية) تشخص الحنين وتجسده ليزيد القارئ إمتاعا وتشويقا ، فالحنين ليس مجرد إحساس ، وإنما قوة تملك القدرة على اختطاف الإنسان من حاضره وإعادته إلى ماضيه .
ومن خلال ملاحظة البناء النفسي لسياق القصيدة بداية من :
١- متاهة ٢- حلم ضائع ٣- حنين ٤- ذكرى ٥- حب قديم ٦- موت ٧- قبر ،
نجد أن هذا البناء يمنح القصيدة وحدة شعورية متماسكة عبر فضاء القصيدة كلها .
..
3 ـ رمزية ( شجرة التوت) بوصفها فضاءً للذاكرة
** حيث يقول شاعرنا : [ فسرقني للتوته الواقفه هناك في الطل
بتنادي بعلو الصوت فين الغايبين ]كما ذكرت في أول دراستي لهذه القصيدة أن شاعرنا معوض حلمي (الفلاح الفصيح ) بدأ بقصيدته هذه الدخول إلى عالم الرمزية المتشعب الدلالات ( كمتاهة عمره )..
وأستطيع أن أقول هنا أن ( التوتة) ليست مجرد شجرة التوت المعروفة في الحقيقة للجميع ، وإنما هي (دلالة رمزية ) حوَّلها الشاعر إلى إنسان وجعلها شخصية شعرية تشاركه في استدعاء الماضي .
حيث منحها صفات الإنسان( أنسنها ) وجعلها (بتنادي) و ( بعلو الصوت فين الغايبين ) في (استعارة تشخيصية جميلة ) تجعل الشجرة كائنا حيا يحمل ذاكرة المكان .
** وتزداد جماليات هذه الصورة البلاغية الرمزية في هذه المشهدية التي أضفاها على (التوته) فزادها وصفا بقوله : [ التوتة الواقفة هناك في الطل ]فكلمة «الواقفة» (اسم فاعل من الفعل وقف ) ويوحي بالثبات والاستقرار والاستمرار في الوقوف ، وكأن الشجرة بقيت شاهدة على ما حدث (هناك) اسم إشارة للبعيد ، بينما غاب أصحاب الحكاية والتي كان يحلم شاعرنا أن يراهم واقفين تحت تلك التوته (الرمز لملتقى الحب والود والوفاء ) .
ولم يكن نداء التوته على الغائبين عنها عاديا بصوت منخفض ولكن تنادي (بعلو الصوت ) لماذا ؟؟ لتأكدها أنهم بعيدين عنها بعد الغياب فربما في علو صوت ندائها لهم تسمعهم ، أما كلمة (الطَّل) فتحمل إيحاءً رومانسياً شجياً حيث يرمز للوحدة في الفضاء وربما رمز للندى ؛ فالندى يرتبط بالصباح والنقاء والصفاء ، وهو ما ينسجم مع ذكريات الحب الأولى .
ثم يتابع شاعرنا راسما بألفاظه العامية المعبرة بقية الصورة الرمزية (التوته الحزينة) فيقول : [ وبتسأل عن قلبين عاشقين مروا ]فتتحول شجرة (التوت ) إلى إنسان شاهد على قصة حب غائبة في الماضي .
..
4- التكرار الدلالي لمفهوم (التيه) وماتوحي به الصورة في (دموع تايهين )
** من منطلق أن الصورة البلاغية الجميلة في الشعر تأتي محملة بالرمز والإيحاءات وترتبط بها ارتباطا وثيقا فلايمكن أن نتحدث عن كثير من الصور الشعرية الجميلة هنا دون أن نتحدث عما توحي به من رمزية عالية مؤثرة .
ومن ذلك قول شاعرنا: [ دموع تايهين م العين كرّوا ] حيث صور الدموع في أسلوب استعاري جاذب بأشخاص تايهين وكأنه يربط العنوان (متاهةعمر)بهذا المقطع . وهنا الدموع ليست مجرد دموع عادية قطرات ماء تنزل من العين ، بل هي ( أشخاص تايهة ) ، أي أنها تشارك شاعرنا الإنسان حالة التيه التي يمر بها ، وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى العنوان: [متاهة عمر] .
فكما أن العمر تائه عند شاعرنا ، والحلم تائه ، والذات تائهة ، أصبحت حتى الدموع تائهة أيضاً .
** وهذا التكرار الدلالي لمفهوم ( التيه) ، يوضح تمكُّن الشاعر و تملكه لناصية صوره الخيالية حيث يجعل (متاهة العمر) تأخذ صوراً شعرية متعددة :
١- تيه العمر . ٢- تيه الطريق إلى الحلم. ٣- تيه الدموع .
٤- تيه الذكريات . ٥- تيه الحب في الزمن الحالي .
ولتلك العناصر دلالات واضحة على تحري شاعرنا للنسج النفسي العميق للقصيدة ودلالة واضحة أيضا على تماسك الوحدة الشعورية والبناء الداخلي في القصيدة .
** و يظل الشاعر يرسم في الصورة الممتدة للدموع في رمزية مبهرة لماذا ؟؟؟
لأن (الدموع) هي حاملة الأسرار ، الحكايات ، الأحلام ، وحاملة ل(كلام كتير مازال صداه يرن في الغيط الواسع) حيث يقول شاعرنا عن الدموع :
[ سايبين أسرار ، حكايات ، أحلام
وكلام لساه بيرن صداه في الغيط الواسع
فَيلمّ طيور حوالين الساقية الدايرة في عز الضهر
فركبت المهر ، وروحت أعيد الذكرى النايمه في قلبي هناك ]و في مشهدية جاذبة يرسم شاعرنا حكاية ماتحمله الدموع من كلام [كلام لساه بيرن صداه في الغيط الواسع] ، ويستوفي عناصر الحكاية من زمان (في عز الضهر ) ، مكان عام (الغيط الواسع ) ، مكان خاص (حوالين الساقية ) ، أحداث تتلخص في (كلام ، ركبت المهر ، أعيد الذكرى ) والشخصيات متمثلة في (الذات الشاعرة والطيور ) ومايهمنا هو المكان فهو أساس المشهدية في الصورة التي يرسمها شاعرنا في هذا المقطع وهو (الغيط الواسع ، الساقية الدايرة ) فالمكان في القصيدة يبدو كأنه جزء من ذاكرة الحب واستدعاء الذكريات ، ووصف شاعرنا للساقية بأنها (الدايرة في عز الضهر ) كناية عن تفاعلها مع نفس الشاعر المستدعية لذكريات الماضي الجميل .
وهنا الشاعر يرسم لنا (استعارة سمعية) جميلة ؛ فالكلام القديم لا يزال له صدى، وكأن الماضي لم ينتهِ بعد في روحه ، وإنما ما زال يتردد في فضاء الذاكرة والتي رمز لها ب (الغيط الواسع ) ، والنتيجة الطبيعية لذلك ماجاء في قوله التالي : [فَيلِمّ طيور حوالين الساقية الدايرة في عز الضهر ]هذه الصورة تجمع بين الحركة والصوت والمشهد الريفي . فالطيور حوالين الساقية والشمس (في عز الضهر ) تصنع ( لوحة بصرية ) غاية في الوضوح الدلالي والجمالي تكاد تكون مشهداً سينمائياً .
..
5-السردية الشعرية وتوظيفها الرمزي في القصيدة
** وأجمل مافي هذه القصيدة مارأيته من سردية محكمة التسلسل في مشهدية ممتعة حيث يقص شاعرنا كيف تابع سيره للماضي في (متاهة عمره )
مستخدما الأفعال الحدثية المجسدة للصورة [ فركبت المهر ، روحت أعيد الذكرى ] من خلال صورة بلاغية جميلة تستدعي مابعدها في طلاقة ويسر بدون أي تكلف ، مستخدما أدوات العطف التي تربط الجمل متابعا ب ( الفاء ) الدالة على التعقيب المباشر للفعل ، حيث يقول :
[ فركبت المهر
وروحت أعيد الذكرى النايمه في قلبي هناك
واشوف الحرفين لساهم ماسكين في إيدين بعض ]و هذا المقطع تظهر فيه ( الرمزية ) بوضوح جدا كما( فركبت المُهر ) ترمز إلى إصرار الشاعر على استجلاء وكشف (ماهية الحب في عصرنا هذا الذي أحاطته المادية ومعوقات أخرى ) ، الحب الذي رمز له ب( الحرفين ) الحاء والباء ، هل لازالا (ماسكين في ايدين بعض ) ؟ سؤال مشروع يستدعي كثير من الإجابات ، وفيها منتهى التصوير الحميمي لارتباط الحب بأهله حيث صور الحرفين في استعارة جميلة بشخصين (ماسكين في ايدين بعض ) لاينفصلان إلا بالموت .
** وهنا أرى شاعرنا في القصيدة ينقلنا من الحديث عن شخصين فقط إلى الحديث عن حرفين (وما يرمزان إليه ومايحملانه من دلالات عديدة ) .
وهذا انتقال رمزي بالغ الأهمية يفتح للقارئ آفاقا من المتعة إلى جانب التأمل ، فالحبيبان لم يعودا موجودين في الواقع ، لكن اسميهما أو حرفي اسميهما بقيا شاهدين على وجودهما ، و لازالا أمام عيني الشاعر : [ ماسكين في إيدين بعض ] جملة استعارية وصفية يصور فيها شاعرنا ( الحرفين ) كأنهما (عاشقان ) ، فيتحول الحرف من مجرد علامة أبجدية لغوية إلى كائن حي (إنسان ) يحمل ذاكرة الحب في عقله وقلبه .
** ولكن المفاجأة المحزنة وقمة الرمزية في قول الشاعر :
[ مالقيتش التوته ،
قطعوها ولاد الإيه الآسيين
ماسابوش الغنوه تحايل في الأحزان وتهد
ولاسابوا الحب يداوي الآه وحنانه يمد ]ويرسي الشاعر الملهم سفين قصيدته كما بدأها على رمز النهاية والانتهاء حين يقول في حزن وتحسر تسي به أنفاسه الشجية بين الحروف :
(مالقيتش التوته ) راحت خلاص .. لماذا ؟؟ ( قطعوها ولاد الإيه ) ..
** ووصفه ( ولاد الإيه ) مقصودة للناس الحمقى الجاهلين المجهولين أولى
النظرات القاصرة والعزائم الخائرة ، وإلى جانب صفاتهم الذميمة هذه (آسيين ) القسوة طبعهم ، قلوبهم قاسية وعقولهم متحجرة .. (قطعوا التوتة رمز الحب والنبل والوفا ) وقطعوا معها المكان الذي كان يحتفظ بالذاكرة .
وكأن الزمن القاسي وأهله الحمقى لا يكتفون بقتل الحب ، وإنما يحاولون أيضاً محو آثار هذا الحب من أساسه فيقول : (ماسابوش الغنوة تحايل في الأحزان .. ، ولاسابوا الحب يداوي الآه ..) مشخصا في رمزية عالية (الغنوة ) ،( الحب ) بشخصين الأول صفاته يحايل في الأحزان والثاني يداوي الآه .. وكأن شاعرنا يعرف تماما علاقة الغنوة بالحب وتأثيرها في الحب والعشاق وخاصة أغاني الزمن الجميل عند كوكب الشرق والعندليب ونجاة وغيرهم .
…
6- الدلالات الرمزية لحرفي «ع» و «م» وأثرها على بناء القصيدة ومشهديتها
** أنا أرى أن من أكثر مناطق القصيدة إثارة للتأويل واستثارة للرمزية هي منطقة الحرفين (ع، م ) ، خصوصاً عندما رأيت أن شاعرنا لم يذكر الحرفين بلا وعي ، وإنما ذكرها بكل وعي وكأنه يهندس القصيدة لكي يجعل منها بناءً عامرا بالجمال أمام القارئ حيث أدخل هذين الحرفين ( ع، م ) داخل مشهد درامي متكامل البناء .
حيث يقول في سردية جميلة جاذبة : «وقعدت أدور ع الغصن الشايل أول حرفين من أساميهم»
إنها حيرة المتاهة منذ بداية القصيدة ومن حيرته (يدور ع الغصن الشايل اول حرفين من أساميهم ) ، وما أجمل متابعته بقوله لينها حيرة القارئ معه والذي يبث في روحه حيرة البحث معه عن رموز الحب فيقول في مفاجأة محزنة :
«سمعت العين (ع) م الضيم بتنوح»ولايخفي علينا ماتوحي به كلمة ( الضيم ) من شجن وأسى عظيم جعلت شاعرنا يتابع أثر ذلك النفسي عنده فيقول :
«عديت ع الشط التاني لقيت الميم (م) نايم مدبوح» وترمز (مدبوح ) إلى قتله وسفك دمه بطريقة بشعة هي الذبح غير عابئ بما يترتب على ذلك من شجون كثيرة وألم .
** ثم يقول مستكملاً مشهده الدرامي الشعري في استعارة مكنية تشخص الدم (م) وتجعله إنسانا شاعرنا (شاله) بين ايديه وعدى إلى (ع ) في محاولة للم الشمل وإعادة الحياة لهذين الرمزيين فيقول :
[ لملمت الدم السايل منه وشيلته وعديت للعين (ع)
بدموعي النازلين ع الخدين صب ..
مدت أيدها وطلبت بس تضمه أخر ضمه ..
ويادوب لمسته بإيديها وطلعت منها الروح ..]وهنا شخصية شاعرنا الشهم الفلاح الفصيح تظهر جلية واضحة في شهامته ونبله للّم واللملمة لأشلاء هذين الرمزين اللذين يراهما قد اندثرا بالضيم وبالذبح وهنا تتحول «ع» و«م»من حرفين إلى شخصين .
يمكن أن نقرأهما للوهلة الأولى باعتبارهما الحرفين الأولين من اسمي عاشقين مثلا ، وهذا هو المستوى المباشر .
ولكن بعد تأمل للمستوى الرمزي للقصيدة نرى أن الحرفين يمثلان في المقام الأول الحب والهوية .
حيث الحرف بلاشك هو الجزء الأصغر من الاسم ، لكن الشاعر يجعله حاملًا لكل تاريخ الحب بين الطرفين .
** والأجمل أن الحرفين كانا في البداية : [ ماسكين في إيدين بعض ]ثم يتحولان إلى: [ العين بتنوح] و: [الميم نايم مدبوح]أي أن الصورة انتقلت من الوحدة والاتصال إلى الفراق والقتل .
وهنا يمكن أن نرى في الحرفين رمزين لعاشقين :حرف (ع ) يرمز للعاشقة ، وحرف ( م ) يرمز للمعشوق ، وإذا كان هذا هو مقصود شاعرنا ، فإنه إذن يجعل الحرفين ببلاغة(الأنسنة ) في حالة إنسانية شجية كاملة : أحدهما ينوح ، والآخر يُذبح ، ثم يحاول الأول أن يلحق بالثاني في اللحظة الأخيرة .
** كما أنني هنا ألفت نظر القارئ الكريم إلى عبقرية شاعرنا الملهم في استخدام الحرفين (ع، م) من الناحية الصوتية فحرف ( العين ) صوت عميق يخرج من الحلق، ولذلك فإن تكرار قوله : [ العين بتنوح] ينسجم تماما مع دلالة الألم والأنين و حالة الشجن .
أما (الميم ) فهو صوت شفوي ، ويمكن أن يعطي في السياق إيحاءً بالاحتضان والقرب والحميمية ، وهو ما يتناسب مع قول شاعرنا: [طلبت بس تضمه آخر ضمه] .
وهنا يصبح التقاء ( العين والميم ) في النهاية رمزًا للقاء الأخير ، لكنه لقاء لا يفضي إلى الحياة (كما يتوقع القارئ ) ، بل إلى الموت..وهنا المفارقة المأساوية. جسدها الشاعر في مشهدية جاذبة بقوله : [ ويادوب لمسته بإيديها وطلعت منها الروح]
ولفظة (يادوب ) المغرقة في العامية توحي بأن القدر لم يُمنح حتى فرصة اللقاء الكامل ؛ فبمجرد اللمسة الأخيرة كانت النهاية .
و لا أستبعد بعد تأمل طويل للحرفين (ع، م) أن يكونا مرتبطين بأسماء حقيقية في تجربة الشاعر ، وهنا يصبح المعنى الشخصي خاصًا بهما ولكن مقدرة شاعرنا قد نجحت بالفعل في صياغة مشاعرهما أمام القارئ في لوحة شعرية رائعة التميّز ، وأعترف أن نهاية القصيدة قد نجحت أيضاً في أن تجعل الحرفين رمزين مستقلين عن أي اسم حقيقي لايزيد تخمينه فالرمز والعناية أفضل من التصريح بكثير .
** ولعل أقوى ما في النهاية أن الشاعر لم يكتب على القبر اسمَي الحبيبين، وإنما كتب : [ الرحمه يارب ، في الزمن القاسي بيموت الحب]وهنا يتحول القبر من قبر لشخصين إلى قبر للحب نفسه ؛ فالموت الحقيقي في القصيدة ليس موت (ع و م) فقط، بل موت حكاية الحب التي كانا يمثلانها.
وبذلك تتكامل الدائرة عبر القصيدة كلها دائرة ( متاهة العمر ) المتمثلة في :
العنوان : متاهة عمر ثم ضياع الحلم ، ثم الحنين إلى الماضي ، ثم استعادة مكان الحب ، ثم العثور على الحرفين ، ثم المفاجأة في موت الحرفين رمزياً ثم دفن الحب في الزمن القاسي
وهذا البناء يجعل القصيدة أقرب إلى مرثية رمزية للحب المفقود ، وفي الوقت نفسه تأمل في قسوة الزمن وقدرته على محو الإنسان وذكرياته وآثارهة.
…
7 ـ الخلاصة الفكرية للقصيدة ، وارتباطها الوثيق باختيار الشاعر لألفاظه العامية وشخصيته
** كثيرا ما أقرأ قصائد عامية أو فصحى وألمح فكرتها من بدايتها أما مع فلاحنا الفصيح (معوض حلمي ) فقد تأملت طويلا في قصيدته وراء زخم معانيه وروعة سرده الشعري وجمال مشهديته حتى عثرت على فكرتها في نهايتها ، وتلك الفكرة تتلخص في : [ في الزمن القاسي، بيموت الحب]وهذه الجملة تمثل الخلاصة الفكرية للقصيدة .
والزمن هنا ليس مجرد إطار زمني محدد ، وإنما هو قوة فاعلة قاسية ، ولذلك يمكن النظر إلى العبارة باعتبارها تشخيصًا للزمن ؛ فالزمن يبدو كأنه كائن يملك القدرة على ذبح الحب وقتله .
والقصيدة من بدايتها لنهايتها كلها تتحرك باتجاه هذه النتيجة :
الحب يولد ثم الحب يترك أثرًا ثم الزمن يقطع الشجرة ثم الحبيبان يفترقان ثم الحرفان ( ع، م ) يموتان ثم يُدفنان ثم يبقى الشاهد .
وهكذا يتحول الحب ( في هذا الزمن القاسي ) من تجربة حية إلى أثر وشاهد وقبر بعد متاهة عمر عاشها الشاعر بين أطلال ذكريات عهد الحب الماسي وزمنه الجميل .
** وكأنما الألفاظ العامية التي جاء بها شاعرنا بعفوية من بيئته المعاشة تدل بقوة وتمكن على هوية النص ، وعلى صوته وشخصية صاحبه وفكرته الشعرية .
فنجد ألفاظًا مثل : [ معرفتش، أروح منين ، سرقني] تجسد فكرة الحيرة والمتاهة ، وألفاظ مثل: [ الشط ، التوتة ، الغصن ، الغيط الواسع ، الساقية ركبت المهر ، لساه ] تجسد فكرة العيش في ذكريات زمن الحب الحقيقي ، وألفاظ مثل : [ مالقيتش ، ولاد الإيه ، الآسيين ، زعلان ، بتنوح ] تجسد الزمن القاسي الذي مات فيه الرمزين (ع ، م ) .
وهذه الألفاظ العامية كلها من معجم الشاعر اليومي البسيط ، لكنه جعلها في السياق الشعري تكتسب طاقة فنية تتجاوز معناها المعجمي المباشر .
ليس في هذا المقطع فقط . بل وفي فضاء القصيدة كلها نلحظ جيدا براعة الشاعر في إستدعائه لمجموعة من المفردات الريفية والتي تكمل المشهد الذي يريد رسمه لقارئه وتزيد إحساسه النفسي والوجداني برمزيتها مثل : (الغيط الواسع و الساقية) ، ( الطيور و المُهر) ، ( الشط و التوتة و الغصن)
وهذه الألفاظ ( العامية جدا ) لا تؤدي وظيفة وصفية فقط ، بل تبني عالمًا شعريًا ريفياً كاملاً .
ولنتأمل قوله : [معرفتش، أروح منين ] لو قالها بالفصحى ستكون هكذا [ لم أعرف من أين أذهب إلى حلمي ] ..وبكل تأكيد ستفقد الكثير من عفويتها وحرارتها أيضا وإيحاءها النفسي على القارئ .
وكلمة : [ معرفتش ، منين ] أراهما أقرب إلى صوت إنسان يتحدث مع نفسه أو يتحدث من قلبه ، و في سياقهما جعلا تجربة الشاعر أكثر صدقًا وحرارة.
والشاعر بألفاظه العامية البسيطة هذه يمتلك قدرة واضحة على تحويل المفردة اليومية إلى مفردة شعرية تؤدي وظيفتها التي لا يختلف عليها اثنان .
كما نلحظ أيضا في كلمة : [الغيط] كلمة عامية بسيطة تعني الأرض الزراعية، ولكنها هنا في سياقها الشعري ليس مجرد أرض زراعية وفقط بل أصبحت فضاءً للذكريات التي تاه في عمرها الشاعر .
وكلمة: [ التوتة ] ليست مجرد شجرة التوت على شط الترعة فقط ، بل صورها الشاعر رمزًا للحب .
** و هكذا كلمات كثيرة في فضاء القصيدة مثل :[ الغصن، التوتة، الشط وغيرها .. ] . وهذا يدل على أن الشاعر يستخدم العامية بوعي جمالي يتناسب مع عالمه الشعوري والبيئي .
** كما أن العامية تكشف عن شخصية شاعرها ومدى قربه من الناس وذوبانه فيهم ، وتأثره بهمومهم ، وانشغاله بواقعهم الاجتماعي المعاش ، وتكشف أته أيضا شديدة الصلة بالبيئة المصرية الريفية ، بعفويته في التعبير ، وصدقه في الانفعال ، و أنه لا يتعالى على اللغة اليومية .
وبعد كل ذلك يكشف اختيار شاعرنا للغته العامية أيضاَ عن شخصية ذات حس درامي وتصويري ؛ لأنه يستعمل اللغة الشعبية ليصنع منها مشاهد متتابعة، وكأنه يحكي قصة أو يعرض فيلما أمام قارئه ومستمعه .
وشاعرنا لم يبرع في استخدام المفردات العامية فقط ببراعة مؤثرة بل اللافت للنظر أيضاً أنه لا يتردد في استخدام تعبير شعبي كامل على بعضه شديد القوة :
[ ولاد الإيه الآسيين ] و كأنه شتيمة لمن أزهقوا الحب في زماننا القاسي ،
وهو تعبير قوي يحمل غضبا وانفعالا شديدا يؤثر في القارئ ، ويكشف عن أن الشاعر حين تحدث عن تدمير الحب لا يكتفي بالحزن من نفسه فقط ، بل يأخذنا إلى حالة من الاحتجاج والغضب الشديد على من ذبحوا الحب .
وهنا يمكنني القول أن العامية في القصيدة كشفت عن شخصية شاعرنا معوض حلمي ، تلك الشخصية الشعرية التي تجمع بين مزايا متعددة :
العفوية ، الحس الشعبي ، قوة الانفعال في الحنين والغضب ثم أخيرا القدرة على التصوير الشعري و الجرأة في التعبير .
8- رمزية العنوان (متاهة عُمْر) ومدى ارتباطه بسياق القصيدة كلها وجوهرها
وبعد قراءة مستفيضة لهذه القصيدة القيمة أستطيع أن أقول أن شاعرنا قد أتقن الربط بين عنوان القصيدة (متاهة عمر) ومتنها خلال عدة مستويات أربعة متتالية بترتيب سياق القصيدة هي :
** المستوى الأول : المتاهة النفسية حيث يبدأ بقوله : [ في متاهة عمر] ثم يقول : [ معرفتش أروح على حلمي منين ]إذن المتاهة هي حيرة الإنسان أمام عمره وأحلامه وذكريات ماضيه .
** المستوى الثاني : متاهة الذاكرة حيث يقول شاعرنا : [ فسرقني حنين
للتوتة الواقفة هناك ] و هذا حين عجزت ذاته عن الوصول إلى الحلم ، فقادها الحنين إلى الماضي ، فتبدأ رحلة البحث في الذاكرة.
وهكذا يصبح الماضي نفسه متاهة ؛ لأن الشاعر يدخل إليه بحثا عن شيء، لكنها تجد نفسها أمام آثار متفرقة من الماضي تتمثل في : ( شجرة ـ غصن ـ حرفان ـ دموع ـ حكايات ـ أسرار.. الخ ) .
** المستوى الثالث : متاهة الحب حيث يبدأ شاعرنا في البحث عن [ أول حرفين من أساميهم ع،م ] ولا يجد إلا آثارا متناثرة .
الحبيبان كانا موجودين، ثم اختفيا ، إذن الحب نفسه أصبح متاهة؛ إذ لا يمكن الوصول إليه إلا عبر الذاكرة والرموز .
** المستوى الرابع : متاهة الزمن المتمثل في لفظة (عمر ) في العنوان الذي يشير إلى عمر كامل ، وليس إلى لحظة عابرة .
ويقول شاعرنا في نهاية القصيدة : [ في الزمن القاسي بيموت الحب]إذن الزمن وسريانه هو الذي صنع المتاهة أساساً .
فالشاعر يصور لنا الإنسان يبدأ حياته بالأحلام ، ثم يمضي في طرق كثيرة ، ويكتشف أن بعض الأحلام تضيع ، وبعض الأحبة يرحلون ، وبعض الذكريات تختفي ، ولا يبقى إلا أثرها .
** و العنوان هنا (متاهة عمر ) من جماله الأخاذ أنه يصبح معادلاً رمزياً للرحلة الإنسانية كلها . رحلة رمزية داخل الذاكرة ؛ يبدؤها الشاعر باحثاً عن طريق يقوده إلى حلمه ، لكنه يضل طريق الحلم فيقوده الحنين إلى الماضي ، حيث يستعيد مكاناً جميلا من ريفه المصري الأصيل الذي كان شاهداً على قصة حب قديمة يستأنس بها . وهناك يكتشف أن ما يبحث عنه لم يعد موجوداً إلا في ذاكرته فقط ، وأن الزمن القاسي قد قطع الشجرة التي كانت تحفظ الحكاية ، ثم قتل أيضا الحرفين اللذين كانا يرمزان إلى العاشقين .
** ومعظم أماكنه التي استعادها شاعرنا في الريف تنطق بالرمزية الجميلة حيث تأتي مثلاً التوته والساقية رمزاً للذاكرة ، والغصن رمزاً للأثر ، والحرفان «ع» و«م» رمزًا للحبيبين ، بينما يرمز قطع الشجرة لمحاولة الزمن القاسي محو الذاكرة ، ويأتي الدفن في نهاية القصيدة ليعلن النهاية المأساوية للحب .
** وأرى أخيراً أن القصيدة في جوهرها لاتبحث عن شخصين ولاترثي ( الحبيبين ع، م ) فقط ، وإنما تبحث عن الحب وترثي زمنا كاملاً من البراءة و
الفضيلة والذكريات الجميلة … ولشاعرنا الفلاح الفصيح خالص تقديري
هذه الدراسة بقلم الشاعرة : سكينة المرسي حسين جوهر (سكينة جوهر )
عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية
عضو اتحاد كتاب مصر
عضو نادي أدب طلخا بالمنصورة