نوب طريف لا تبحث عن أنيس منصور – مقال رأي

.

نشرت الأهرام مقالًا يدّعي أن نوب طريف تبحث عن فتاها الفيلسوف أنيس منصور. يحمل المقال كمًّا كبيرًا من المغالطات والبروباجندا.

ديباجة: انتقل أنيس منصور إلى رحاب الله، ولم يعد يضرّه قدحٌ أو يفيده مدحٌ، وإنما هذه تأملات في مشوار شخصية لها بصمتها الثقافية الواضحة. نحاول الالتزام بقواعد البحث العلمي؛ فالباحث الحقيقي لا يحب ولا يكره، الباحث الحقيقي نزيه كالقاضي.

أنيس منصور قد تنطبق عليه مقولة ابن رشيق عن المتنبي. قال ابن رشيق عن المتنبي إنه رجل ملأ الدنيا وشغل الناس، لكن المقولة قد تنطبق أيضًا على أنيس منصور؛ فقد شغل كثيرًا من الناس، خاصة بكتابه «200 يوم حول العالم»، والأشباح وتحضير الأرواح. لكن هناك فارق بين أدب المتنبي وكتابات أنيس منصور؛ فقصائد المتنبي مثل الأحجار الكريمة لا تبهت مع الأيام، بينما كتابات أنيس مثل المشروبات الغازية، قد تكون خفيفة ولذيذة، تملأ المعدة وتشعرك بالشبع، لكنها غير مغذية. اختصارًا: أنيس منصور فراشة أدبية جذبتها أضواء الصحافة فاحترقت بحرارتها، لكن يُحسب لأنيس أنه بأسلوبه السهل البسيط صنع جمهورًا كبيرًا من القراء، أي وسّع قاعدة القراءة.

نوب طريف قرية مثل آلاف القرى المصرية، كانت واقعة في قبضة الإقطاع: آل يكن (أتراك)، ثم آل سرسق (يهود لبنانيون). من جاء بالأتراك؟ إنه الأحمق السلطان الغوري. ومن جاء باليهود؟ ديون الخديوي إسماعيل.

ونوب كلمة فرعونية تعني ذهب. نوب طريف قرية فرعونية قديمة مثل جارتها شبراهور، التي يعني اسمها مزرعة الإله حور. نوب طريف أقدم من المماليك والأتراك وسرسق. ذكرها ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، وأشار إلى أن عمرو العاص قد مر عليها أثناء دخوله مصر، وترك بها القائد طريف بن مكنون، وهذه أول بصمة عربية وإسلامية على القناع الفرعوني. تم بناء أول مسجد بالقرية بالجهة الشرقية، الجامع الكبير، الذي تُؤدَّى فيه صلاة الجمعة والعيدين وصلاة الجنازة، خاصة أنه ملاصق لمقابرها؛ ملمح مشترك في أغلب القرى المصرية، خاصة القديمة: مقابر وملاصق لها مسجد.

مسجدنا هنا هو مسجد الأمير ظريف. يحتفظ أهل نوب بحرف الظاء ويتبادلونه مع حرف الطاء. بنوب طريف عائلات ذات جذور عربية، كعائلة طريف، الذين يقولون إن جدهم هو الأمير طريف بن مكنون، ويهتمون كل عام بإقامة مولد الشيخ طريف. وبنوب عائلات عربية أخرى؛ عائلات خطاب يؤكدون نسبهم إلى عمر بن الخطاب، ربما. أما عائلة السروي فيقفزون قفزة عالية ويدّعون أنهم أحفاد السري بن العباس بن عبد المطلب، والسروي مأخوذة عن اسم السري الذي يعني الشريف، ربما! إذ لا توجد وثائق.

وُلد أنيس لأسرة فقيرة، ليس له عائلة أو بيت أو أرض بقرية نوب طريف، مركز السنبلاوين. وفد أبوه إلى نوب وسكن في بيت صغير في حارة العطارين، حارة خلف مخازن الوسية التي استولت عليها هيئة الإصلاح الزراعي. كان أبوه الشيخ محمد منصور يعمل في وظيفة هامشية، فقيهًا في الوسية، يُسهِّر في رمضان (يقرأ القرآن والمدائح النبوية)، مثل الشيخ إبراهيم البلتاجي، والد أم كلثوم، ومحمد السنباطي، والد رياض السنباطي. [يوجد هنا في الأصل مقطع مشوَّه طباعيًا: «م ه ي ع ان ان ك يع ناظز زراعة»].

حفظ أنيس القرآن بكُتّاب الشيخ سيد، أما أول تعليم نظامي فكان في مدرسة نوب طريف الابتدائية. كانت مدرسة ذات مبنى فقير، بعد قرار الوفد بفرض التعليم الإلزامي تطبيقًا لشعار طه حسين: «التعليم كالماء والهواء». أُعيد بناؤها عدة مرات، وهي حاليًا مدرسة عصرية حديثة.

حديث أنيس عن مسقط رأسه حديث جاف؛ أنيس كأنه ولد يرفض أهل الفقراء. حديث يخلو من الود، حديث ليس مثل حديث أحمد لطفي عن مسقط رأسه، قرية برقين، وحديث الدكتور هيكل، أبو الرواية، عن كفر غنام، وحديث أم كلثوم عن طماي الزهايرة وعزبة الحوال شمال السنبلاوين، حيث حفظت القرآن. كلهم من السنبلاوين. هذا نص كلام أنيس عن مسقط رأسه:

«فأنا أتذكر الآن قرية نوب طريف، مركز السنبلاوين بمحافظة الدقهلية، فإنني أتذكر صوت وابور الطحين ورائحة البرك التي اختلط فيها الماء الراكد برائحة البترول، وصوت كلب متقطع غليظ أجش قد تهجم عليَّ، فأنا أستعيد الأشياء بتذكري لرنين حروفها ورنات نبراتها، أتذكر الأشياء برائحتها».

تجاهل أنيس مدينة المنصورة، حيث تلقى تعليمه الثانوي. من زاوية التأريخ تفتقد كتابات أنيس المصداقية والأمانة العلمية، وربما يميل إلى الكذب الذي قد يصل لمرحلة الفشر، ويجحد مدينة المنصورة كما جحد مسقط رأسه.

وفي الدراسة التي أعدتها محافظة الدقهلية عن أنيس منصور، أفردت الدراسة فصلًا عن المدن التي أثرت في أنيس منصور تحت عنوان: «أنيس منصور: مدن عاشت معه وعاش معها». حصرت الدراسة، نقلًا عن أنيس، مدن: جدة، مكة، المدينة المنورة، حيفا، بكين، سيدني، موسكو، برلين، فيينا، شرم الشيخ. وقد ذكر أنيس حيفا الفلسطينية المسروقة وسيدني الأسترالية، وتجاهل المنصورة العريقة، والسنبلاوين طبعًا خارج المنافسة.

ورغم هذا التجاهل، فإن مدينة المنصورة هي المدينة الوحيدة التي وضعت له تمثالًا في أهم شوارعها: شارع الجمهورية. وهذه فرصة لنوجه دعوة للسلطات المحلية لرفع هذا التمثال ووضع مكانه تمثالًا للدكتور غنيم أو أحد أعلام الدقهلية الخالدين، وهم كُثر.

وضع الموظفون في المحافظة تمثاله لأنه مشهور، في شارع الجمهورية. هؤلاء الموظفون، بحكم تكوينهم البيروقراطي، يخلطون بين الشهرة والعظمة، يظنون أنه ما دام أنيس منصور مشهورًا فهو عظيم. يتجاهل هؤلاء الموظفون أحمد مستجير، وفؤاد حجازي، وغنيم، مع أن غنيم عظيم ومشهور.

أهالي نوب طريف لا يبحثون عن أنيس منصور. أهالي نوب أكثر حصافة وأعلى بصيرة من موظفي المحافظة. أهالي نوب يعرفون أن أنيس أشاد بإسرائيل لأنها دفعت اشتراك مصر في نادي القلم الدولي، حسب زعمه. أهالي نوب يعرفون أنه أشاد بمدن إسرائيلية وتجاهل المنصورة. لم ينسَ أهالي نوب مجازر إسرائيل وإعدامهم أبناءهم في صحراء سيناء، وهذا سر احتفائهم باللواء عبد الجابر أحمد، الذي درب صائدي الدبابات الإسرائيلية أثناء حرب أكتوبر.

كوّن عبد الجابر المجموعة التي عُرفت بـ«عفاريت عبد الجابر»، وعلى رأسهم العفريت الأول عبد العاطي، شرف 23 دبابة، ووصيفه العفريت الثاني إبراهيم عبد العال، ابن نوب طريف، 18 دبابة.

في الطبعة الأولى من كتاب عبد الجابر «أكلة الدبابات»، ذكر عبد الجابر أن رقم إبراهيم هو 17. احتج إبراهيم ونشر احتجاجه في الإعلام؛ لأن الرقم الحقيقي هو 18. في الطبعة الثانية أكد اللواء عبد الجابر أن الرقم الحقيقي بالفعل هو 18، وهو رقم ثابت في السجلات العسكرية، وأشاد في الكتاب بدعوته في احتفالية أقامها أهالي نوب طريف لابنهم إبراهيم عبد العال بمدرسة نوب طريف الإعدادية للبنين.

قام أهالي نوب طريف بدعوة اللواء عبد الجابر. كنت موجودًا، لمحت اللواء عبد الجابر قادمًا وحيدًا، فقمت سريعًا باستقباله؛ فأنا أعرفه من برامج التلفزيون. أعددت له كرسيًا في الصفوف الأولى، أصرَّ على أن أجلس بجانبه.

ذكر اللواء واقعة الزيارة في الطبعة الثانية من كتابه «أكلة الدبابات»، التي صدرت برعاية ابنه عمرو عبد الجابر، وأكد عبد الجابر بشكل قاطع أن رقم إبراهيم عبد العال هو 18 دبابة، وليس 17 كما جاء في الطبعة الأولى؛ ليؤكد أن إبراهيم عبد العال، ابن نوب، يحتل عن جدارة الترتيب الثاني في مجموعة «عفاريت عبد الجابر»، صائدي الدبابات الإسرائيلية.

وعبّر اللواء عن امتنانه لدعوته للاحتفالية بنوب طريف، وأشاد بتكريم المشير حسين طنطاوي لإبراهيم عبد العال في احتفالية يوم المدفعية. وهكذا نجح أهالي نوب طريف في التمييز بين الغث والثمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى