هل اختارنا الطريق… أم اخترناه؟
هل اختارنا الطريق… أم اخترناه؟
د. يسري ربيع داود
سيظل سؤالٌ نطرحه دائمًا في أعماقنا:
هل نحن من نختار الطريق الذي نمشي فيه، أم أن الطرق هي التي تختارنا؟
سؤالٌ يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنني كلما أمعنتُ النظر فيه اكتشفت أنه أكثر تعقيدًا مما أظن.
فكم من إنسانٍ وقف في منتصف الطريق، ونظر خلفه طويلًا، ثم قال:
كيف وصلتُ إلى هنا؟
كيف وصلتُ إلى هذه الوظيفة؟
كيف انتهيتُ إلى هذه العلاقة؟
كيف أصبحت علاقتي بأبنائي على هذه الصورة؟
كيف وجدتُ نفسي محاصرًا بأشخاص لم أكن أتخيل يومًا أن يكونوا جزءًا من حياتي؟
والأغرب أننا كثيرًا ما نبحث عن إجابة تُريحنا وتبرر لنا مسيرنا، لا عن إجابة تُديننا وتفزعنا مما وصلنا إليه.
فنقول: الظروف!
ونقول: الناس!
ونقول: فلان خدعني!
ونقول: الدنيا لم تنصفني!
وأحيانًا نرفع أيدينا إلى السماء ونقول:
هذا نصيبي!
ثم نضع نقطة في آخر الحكاية، وكأن كلمة «النصيب» تستطيع أن تعفينا من مراجعة قراراتنا وتديننا لأننا نحن من فعلنا ذلك بأنفسنا.
والحق أن الإنسان لا يختار كل ما يحدث له، لكنه يختار كثيرًا من الأبواب التي يدخل منها، نحن من نقدم المفتاح للكثير من الأشخاص الذين يدنسون حياتنا، نحن من نقدم كثيرًا من التنازلات في البداية ثم ندفع ثمنها في النهاية.
نحن لا نختار آباءنا، ولا أمهاتنا، ولا زمان ميلادنا، ولا المكان الذي جئنا منه إلى الدنيا. لكننا، بعد أن نكبر، نبدأ في صناعة جزء كبير من الطريق بأيدينا.
وهنا تبدأ المسؤولية. ويأتي الكلام الصادم :
أنت السبب!
تجد إنسانًا يقول:
لم أعق والديَّ يومًا، فلماذا أعاني الآن من عقوق أبنائي؟
ويظل يبحث عن إجابة تبرئ ساحته. يقول:
أبنائي تغيروا. الزمن تغير. التربية أصبحت صعبة.
الجيل الجديد لا يفهم. لكن ربما توجد إجابة أكثر إيلامًا:
أنت السبب!
الصراحة راحة يا عزيزي؛ فأنت الذي أوصلت كل الأمور إلى ماهي عليه الآن!
أنت لم ترد لهم السوء، بل أوصلتهم إلى نقطة حزنك منهم لأنك أحببتهم بطريقة خاطئة؛ بطريقة لم تعرف فيها الفرق بين الحب والتدليل، وبين الرحمة والتسيب، وبين إعطاء الابن حقه وإعطائه كل شيء. أنت أعطيته كل شيء بدافع الحب، ولم تحاسبه على أي شيء لأنك تحبه!
تركت لهم الحبل على الغارب، تركته لهم حتى غابوا، ثم فوجئت أنهم لا يعرفون كيف يمسكونه عندما احتجتَ أنت إلى شدّه. ضاعوا وأنت الذي أضعتهم، فتعلم متى تشد الحبل ومتى ترخيه.
أحضرت لهم لبن العصفور، ثم تعجبت عندما طلبوا منك السماء أيضًا. ستقول أنك وفرته لهم لأنه كان بمقدورك، لكنك نسيت أن ما قدمته لهم كان أمنيةً لدى الآخرين، ظنوا أنهم ملكوا كل شيء فطلبوا المستحيل، وعليك أن توفره لهم كما وفرت المستحيل على جارك لأولاده يومًا .
عودتهم أن يأخذوا دون أن يتعلموا كيف يعطون، وأن تُلبّى طلبهم قبل أن يطلبوا، وأن تكون كلمة «لا» غائبة من قاموس البيت. ثم عندما حاولت أن تقولها لأول مرة، اكتشفت أن أبناءك لم يتعلموا سماعها.
تتهمهم بالتمرد ، ولكن حتى التسمية لم تعد تفرق ، زرعت فحصدت، فذق ما اقترفته يداك.
عليك أن تسأل نفسك أولًا:
من علّمهم أن التمرد هو الطريقة الطبيعية للحصول على ما يريدون؟
لو كنت صادقًا مع نفسك ستقول بملء فمك:
أنا السبب!
وفي الزواج أيضًا…
زوجتك التي أكرمتها، وأحسنت إليها، ووثقت بها، ثم فوجئت يومًا بأنها ترفع صوتها عليك أو تتجاوز حدودها معك.
ستقول:
ما بها ؟ لقد تغيرت!
وربما تكون قد تغيرت فعلًا. وربما لاحظ المحيطون بها أنها تغيرت. لكن اسأل نفسك سؤالًا آخر:
متى سمحتَ لأول تجاوز كان فجًّا أن يصبح عاديًا؟
العلاقات لا تنهار في يوم واحد. نادراً ما يستيقظ الإنسان صباحًا ليجد كل شيء قد انهار فجأة.
هناك دائمًا شقوق صغيرة سبقت الانهيار. كلمة مررتها. إهانة سكتَّ عنها. تجاوز قلت عنه:
“معلش! نمررها هذه المرة!”
ثم جاء تجاوز آخر قلت عنه:
“الأمر بسيط ، لا يستأهل الوقوف عنده لتستمر الحياة .
ثم ثالث قلت عنه:
” أسكت هده المرة لأجل الأولاد والبيت .
يا عزيزي : لقد أصبح ما كان غير مقبول بالأمس أمرًا طبيعيًا اليوم.
وهنا لا يعني الأمر أن الإنسان مسؤول عن أخطاء الآخرين، لكنه مسؤول عن الحدود التي وضعها أو لم يضعها.
أن تكون طيبًا لا يعني أن تكون بلا حدود.
وأن تكون رحيمًا لا يعني أن تسمح لأحد أن يهدم كرامتك. وأن تحب إنسانًا لا يعني أن تمنحه حق التحكم فيك؛ فالحدود التي لا تضعها في البداية، قد تضطر إلى دفع ثمنها في النهاية.
ليس كل ما يحدث لنا اختيارًا، ومع ذلك، يجب أن نكون منصفين؛ فليس صحيحًا أن الإنسان مسؤول عن كل مصيبة تصيبه، هناك أشياء تأتي رغماً عنا. المرض. الفقد.الخيانة التي لم نتوقعها.
ظرف اقتصادي. موت إنسان نحبه. حادث يقلب حياتنا. أشخاص يظهرون في حياتنا بوجهٍ، ثم يكشف الزمن لهم وجهًا آخر. هذه أشياء لا يصح أن نقول للإنسان فيها ببساطة:
أنت السبب!
لكن المسؤولية الحقيقية تبدأ بعد وقوع الحدث.
قد لا تكون أنت من اختار المصيبة، لكنك تختار ماذا ستفعل بعدها. قد لا تكون أنت من فتح باب الألم، لكنك تستطيع أن تقرر كم من الوقت ستبقى واقفًا أمامه. قد لا تكون أنت من كسر قلبك، لكنك تستطيع أن تمنع الكسر من أن يتحول إلى شخصية جديدة تعيش بها بقية عمرك. وهنا الفرق بين اللوم والمسؤولية.
اللوم ينظر إلى الماضي ويسأل:
من المخطئ؟
أما المسؤولية فتنظر إلى المستقبل وتسأل:
ماذا سأفعل الآن؟
الطريق لا يختارك.. نعم هذا صحيح!
نحن نحب أن نتخيل أن الطريق هو الذي جرّنا إليه. نقول:
الطريق أخذني.
الظروف دفعتني.
فلان أوقعني.
الحياة أجبرتني.
لكن الطريق في الحقيقة لا يمسك بيد أحد.
أنت الذي تتوقف أمام مفترق الطرق. أنت الذي ترى اللافتة الصحيحة ثم تتجاوزها للخاطئة .
أنت الذي تسمع التحذير، ثم تقع في المحظور.
أنت الذي تعرف في أعماقك أن هذا الشخص لا يناسبك، وأن هذه العلاقة تؤذيك، وأن هذا القرار غير سليم، ثم تمضي رغم ذلك.
لماذا؟
لأننا أحيانًا لا نختار ما يناسبنا، نختار ما نرغبه.
والفرق بين الاثنين كبير. قد تعرف أن الطريق خطأ، لكنك تسلكه لأن نهايته تبدو جميلة.
وقد تعرف أن الإنسان لا يناسبك، لكنك تتمسك به لأنك تحب صورته التي صنعتها في خيالك.
وقد تعرف أن قرارك سيكلفك كثيرًا، لكنك تتخيل أن المكسب القريب يستحق الخسارة البعيدة.
وهكذا لا يخدعنا الطريق دائمًا.
أحيانًا نحن الذين نخدع أنفسنا.
وأخطر الاختيارات.. تلك التي لا نشعر أننا اخترناها؛ هناك قرارات لا نتخذها مرة واحدة.
نحن نكررها كل يوم فتصبح قرارات اتخذناها ونحن في كامل قوانا العقلية.
أن تسكت اليوم عن شيء يؤلمك، اختيار.
أن تؤجل المواجهة، هذا اختيار.
أن تستمر في علاقة انتهت معنويًا، اختيارك.
أن تربي أبناءك بالطريقة نفسها رغم أن النتائج أمامك، اختيار. ولو عدت إلى البداية ستكرر نفس الخطأ، أنت معيوب يا صديقي!
أن تبقى في وظيفة تكرهها دون أن تبحث عن بديل، اختيار.
أن تظل تلوم الماضي عشرين عامًا بدل أن تبدأ في إصلاح الحاضر، اختيار أيضًا.
وبمرور الوقت تتحول الاختيارات الصغيرة إلى حياة كاملة. حياة كلها خاطئة لأنك بنيتها منذ البداية على أسس واهية، أسس خاطئة. نعيب زماننا والعيب فينا، وما لزماننا عيب سوانا!
يأتي الإنسان في النهاية ويقول:
هكذا كانت حياتي!
لا يا صديقي.. ربما كانت هذه نتيجة آلاف القرارات الصغيرة التي اتخذتها، وبعضها لم تنتبه أصلًا إلى أنه قرار.
لا تعش دور الضحية دائمًا، أنت الجاني وأنت المجني عليه، وفي الحالين أنت من فعل هذا!
أسهل دور يمكن أن يلعبه الإنسان هو دور الضحية؛ فالضحية لا تحتاج إلى مراجعة نفسها.
الضحية دائمًا بريئة. الآخرون هم السبب.
الأسرة. الأصدقاء. الزوجة. الأبناء. العمل.
الحكومة. الزمن. الحظ. حتى الشيطان قد يجد لنفسه مكانًا في قائمة المتهمين!
لكن الإنسان الناضج لا يبحث فقط عمن أخطأ في حقه، بل يسأل:
ماذا كان دوري أنا؟
أين أخطأت؟
متى كان يجب أن أقول «لا»؟
متى كان يجب أن أنسحب؟
متى بالغت في الثقة؟
متى تنازلت عن حقي؟
متى ظننت أن السكوت حكمة، بينما كان جبنًا؟
ومتى ظننت أن الطيبة فضيلة، بينما كنت في الحقيقة عاجزًا عن وضع الحدود؟
هذه الأسئلة مؤلمة. حقيقة، لكنها مفيدة.
لأنك عندما تعرف أنك شاركت في صناعة المشكلة، فإنك تكتشف لأول مرة أنك تملك جزءًا من قدرتك على إصلاحها.
أما إذا أقنعت نفسك بأن الآخرين هم السبب في كل شيء، فقد منحتهم أيضًا مفتاح مستقبلك.
وأكملت طريقك في غياهب الأحزان، وغالبا ستموت قهرًا ، ستموت بالسلاح الذي عشت عمرك كله تصنعه وتبريه!
يا صديقي…
كن حازمًا في حياتك.
قل : لا .. عندما لا يمكنك السير في طريق لا يلائمك.. تعلم أن تقول : لا !
لا تدخل كل طريق لمجرد أن بابه مفتوح.
ولا تعطِ كل إنسان مفاتيح قلبك لمجرد أنه ابتسم لك. ولا تجعل الطيبة مرادفًا للضعف.
ولا تجعل الحب يلغي العقل. ولا تجعل الخوف من الوحدة يدفعك إلى صحبة تؤذيك.
ولا تجعل خوفك من خسارة شخص سببًا في خسارة نفسك.
مرةً أخرى : وتعلم أن تقول:
لا. في الوقت المناسب؛ فبعض «لا» تنقذ عمرًا كاملًا. وبعض «نعم» الخاطئة قد تكلفك سنوات من الندم.
وتذكر دائمًا:
ليس مطلوبًا منك أن تختار طريقًا بلا أخطاء، فهذا مستحيل.
المطلوب أن تكون حاضر العقل عندما تختار، وأن تتحمل نتيجة اختيارك عندما تخطئ، وأن تملك شجاعة العودة عندما تكتشف أنك في الطريق الخطأ.
فالرجوع ليس فشلًا.
والاعتراف بالخطأ ليس هزيمة.
وتغيير الطريق ليس ضعفًا.
أحيانًا تكون أعظم شجاعة أن تقول: لقد أخطأتُ الطريق، وسأعود.
وفي النهاية.. لا أحد يستطيع أن يضمن لك طريقًا بلا حفر. ولا علاقة بلا خلاف. ولا أبناء بلا أخطاء.
ولا حياة بلا خسائر. لكن هناك فرقًا هائلًا بين إنسان يعيش حياته بعينين مفتوحتين، يعرف متى يقترب ومتى يبتعد، ومتى يقول: نعم. ومتى يقول: لا ! وبين إنسان يمشي مغمض العينين، ثم إذا اصطدم بالحائط وقف غاضبًا يسأل:
من الذي وضع الحائط هنا؟!
أنت الأعمى يا أعمى البصر والبصيرة، الحائط ليس لها ذنب؛ بل أنت من ذهبت صوبها!
يا صديقي:
لا تتهم الطريق بكل ما حدث لك.
راجع خطواتك. راجع اختياراتك. راجع تنازلاتك فهي سبب خساراتك المتتالية . راجع الأشخاص الذين سمحت لهم بالاقتراب. وراجع نفسك قبل أن تراجع العالم؛ فقد لا يكون الطريق هو الذي اختارك لتسير فيه؛ ربما أنت الذي اخترته، ثم نسيت أنك كنت صاحب الاختيار.. الطريق طريقك!