يلا ساحل – مقال
يلا ساحل – مقال
محمد عبد القادر
حين وضع التليفزيون المصري تلك الشارة في الركن الأيسر العلوي من شاشات جميع قنواته في إبريل 2016، لم نفهم نحن أو غيرنا معناها، ولم نلقِ لها بالًا مثل كثير من الفوازير الغامضة والأحاجي التي يخرج بها علينا، طالما أن الصورة ما زالت واضحة، والمادة المعروضة ما زالت في حدود المقبول.
إلا أنه مع تقدم الوقت وإقبال فصل الصيف بحرارته المرتفعة قد تبين لنا معنى ذلك الشعار، لا سيما وقد بدأت الحفلات الصيفية على شواطئ الإسكندرية، لا سيما في الساحل الشمالي، تترى، وراحت إعلاناتها المستفزة تحت شعار «يلا ساحل» تغازل أعين البعض، ومَحافظ البعض الآخر، والحسابات البنكية للبعض الثالث، ناهيك عن انبهار فئة من الشباب «المحظوظ» الذي لم يعش يومًا معاناة مع أسعار ارتفعت، أو لحم توقف الكثير عن شرائه، أو بنزين صار شراؤه حلمًا، فوضعت السيارة أمام المنزل لتذكرنا بزمن كنا فيه نقضي كل حاجياتنا راكبين متمتعين، بينما الآن صار الاعتماد على قوة الساقين أكثر، هذا إن كانتا قادرتين على حملنا بعد أن تراجع البروتين في العضلات.
نعلم أن آذان المسؤولين قد سُدَّت تمامًا عن سماع صراخ وأنين الشعب المسكين من الغلاء الفاحش، ونجد الإجابات جاهزة بأن تلك موجة غلاء على مستوى العالم. إلا أننا في الحقيقة لا نسمع ذلك الصراخ سوى هنا، ونلمس أسبابه الواضحة والتي ليست مقنعة للمواطن البسيط الذي صار لا يجد قوت يومه، وندعو له رب العالمين أن يتغمده برحمته، فلا أمل في بشر يرفع عنه ذلك الضيم. ولكن أتزيدون معاناته الحياتية بتلك الحفلات المستفزة؟ فتعلنوا في وسائل الإعلام التي اعتبرها المواطن في حد ذاتها وسيلته الوحيدة للترفيه، عن تفاصيل التذاكر؛ فمنها ما قيمتها 400 ألف جنيه، ومنها ما قيمتها 200 ألف جنيه، وتتدرج لتصل إلى تذكرة الفقير وقيمتها 20 ألف جنيه. تُرى هل تلك هي وظيفة الإعلام؟ ألا يعلم القائمون على الإعلام أن مجرد نشر تلك «الحقائق» هو وسيلة لضرب السلام الاجتماعي في مقتل؟ ألا يعلم القائمون على الإعلام كم شابًّا وفتاة باتوا يحترقون حسرة لضيق ذات اليد الذي منعهم من الاقتداء بنظرائهم من أبناء الأغنياء؟ ألا يعلم القائمون على الإعلام كم من الحقد والحسد نشروه بين أبناء الوطن بنشرهم تلك الدعايات؟ وهل قارنوا بين مكاسب القنوات الهزيلة من إعلاناتهم وما حققوه من سلبيات في المجتمع، وبين الشباب الذي هو مقبل على الحياة بعد إحباطه؟ تُرى في صالح من تلك النتيجة؟ ومن المستفيد؟
وأخيرًا لقد خرج علينا البهلوان الأسود في صورة نسائية كما تعودنا وكما يليق به، ليجمع الغلة ويحصد الخيبات التي انغمس فيها أولياء الأمور ودفعوا فيها أموالًا لا بد أنها أتت من حرام، فما كان الحلال ليضيع. وإذا ببناتهم تُنتهك أعراضها، وإذا بالشباب الأرعن وقد تحرش واحتك بالفتيات، وصار الصراخ بديلًا عن الغناء، وصار تلامس الأجساد هو الهدف وليس سماع أغنية، حتى وإن كانت من المستوى الرديء الذي يشبه مغنيها. وأدرك الجميع الصباح بعد أن انتقلت مئات الملايين من الجنيهات من أيدي أصحابها لأيدي الداعرين الجدد بمحض إرادتهم، وبعد تحرشات بالإناث وتلذذ من شباب قذر افتقر إلى أدنى خصائص الرجولة، سعيًا لتحقيق لذة مؤقتة بأموال لم يتعب في جمعها، وبتشجيع من ذويهم والمؤسسات الإعلامية الحكومية. تلك هي المعادلة.
================
16/8/2026