“دائرة الحلم” بين الاكتمال و النقصان – فلسفة وعلم نفس
“دائرة الحلم” بين الاكتمال و النقصان – فلسفة وعلم نفس
بِقلم طواهري امحمد.
مجرد حلم… ثم تعب… ثم ملل
أيها الإنسان، منذ وعيت على هذه الدنيا وأنت تحلم.
تحلم ببيت، فإذا ملكته حلمت بأوسع.
تحلم باسم، فإذا نطق به الناس خفت أن يُنسى.
تحلم براحة، فإذا اقتربت منها رأيتها تهرب إلى الأمام منك بخطوة.
وهكذا تمضي عمرك بين حلمٍ يجرك، وتعبٍ ينهك، ومللٍ ينتظرك في النهاية.
كأنك تسير في صحراء، وكلما ظننت أنك بلغت الواحة، وجدت السراب يبتعد.
نسأل أنفسنا: لماذا لا نهدأ؟
لماذا لا نقول “يكفي” ونجلس؟
الجواب بسيط وموجع في آنٍ واحد:
لأن في داخلنا قوةً لا تنام. لا عقل لها ولا منطق.
قوة تدفعنا حتى ونحن متعبون، وتأمرنا حتى ونحن راضون.
نسميها طموحاً أحياناً، ونسميها إرادةً أحياناً أخرى.
ولكنها في الحقيقة جوع لا يشبع.
العقل المسكين يأتي متأخراً دائماً.
يبرر للجوع سعيه، ويزين للتعب طريقه، ويقنعنا أن ما نفعله هو “لأجل المستقبل”.
ولكن أي مستقبل ، المستقبل بريء منا ؟
المستقبل الذي ما إن نبلغه حتى يتحول إلى ماضٍ،
ويولد من رماده ملل و حلمٌ جديد.
فتأمل حياتك ستجدها مقسمة بلا رحمة:
ثلثها حلم….. نركض فيه بعيون مفتوحة.
وثلثها تعب… نحفر فيه بيدين مرتجفتين.
وثلثها ملل… نجلس فيه بعد الوصول ونسأل: “ثم ماذا؟”
الفرح عندنا صار برقاً.
يوم وصول الشهادة نفرح. يوم الترقية نفرح. يوم شراء البيت نفرح.
ثم في اليوم التالي نستيقظ ونسأل: وما بعده؟
لأننا لم نفرح بالشيء… بل فرحنا بفكرة الشيء.
ولما تحققت الفكرة، ماتت.
وهنا يكمن الشقاء.
ليس الشقاء في أن نحرم ما نريد.
ولا الشقاء في أن نناله.
الشقاء في أننا لا نعرف كيف نعيش اللحظة التي ما بين الحرمان والنيل،
تلك الزاوية المفقودة.
نظن أن السلام سيأتي مع آخر خطوة.
ولكن الحقيقة أن خط النهاية وهم.
كلما عبرته رسمته يدك من جديد، أبعد بقليل.
فصرنا كمن يحمل ماءً في غربال… يركض ويفرغ ، ويطلب المزيد .
يا صاحبي، لست ضد الحلم.
احلم. واجتهد. وابنِ حدائق وقصور اوسعَ.
ولكن لا تجعل سعادتك كلها معلقة على ” كلمة عندما”.
عندما أنجح… عندما أملك… عندما أصل.
لأن “عندما” لا تأتي أبداً.
ما يأتي هو “الآن” فقط.
فإذا لم ترضَ به، فلن ترضى بأي “عندما” في الدنيا.
إن الحكمة ليست أن تتوقف عن الحلم.
الحكمة أن تحلم بقلبٍ هادئ.
أن تسعى بيدٍ، وتستريح بقلب.
أن تبني المستقبل، ولكن لا تهدم الحاضر،
ان تعيش في كتف البساطة.
فخفف عن روحك هذا الحمل.
لا تجعل من عمرك دائرة مغلقة: حلم، تعب، ملل، ثم حلم جديد ، حتى بقوة خطواتك لن تصل،
كلما انتهيت بدات من جديد.
اكسر الدائرة بلحظة رضا واحدة.
بلحظة تقول فيها: “هذا يكفي لليوم”.
وما كان لك هو لك… وما ليس لك لن تجده
فليست الحياة مشروعاً يجب إتمامه.
الحياة نفسٌ يدخل ويخرج.
فإذا ملأته بالرضا، امتلأ كل شيء.
وإذا أفرغته من الرضا، بقيت كل زوايا البيوت بداخلنا خاوية ….. حتى وإن كانت تبدو الينا عامرة.