ضادنا الأجمل : استنباط المعاني و اختراعها في الشعر العربي
ضادنا الأجمل : استنباط المعاني و اختراعها في الشعر العربي
خالد خبازة
الشعر ..
علم قديم نشأ بالسليقة على ألسنة فصحاء العرب . و ان اشتقاق لفظة ” الشعر ” من العلم و الادراك و الفطنة .
تقول :
ليت شعري هل أصاب صوب السماء منازل أسماء ؟ .
أي : ليت علمي .
و الشعر عبارة عن ألفاظ منظومة ، تدل على معان مفهومة ، فاذا قيس به النثر ، كان أبرع منه مطالع ، و أنصع مقاطع ، و أجرى عنانا ، و أفصح لسانا ، و أشرد مثلا .
و فيما يتعلق باقامة وزن الشعر .
فهو عبارة عن ذوق طبيعي حفظ فصوله من الزيادة و النقصان ..
و يعتبر العرب أن البيت من الشعر ، كالبيت من الأبنية .. قراره الطبع .. و ساكنه المعنى .. و لا خير في بيت غير مسكون .
أقول في بيتين في هذا المعنى من البسيط :
هي المعاني جمال الروح في بدن … تم البنــاء بـــه .. باللفظ يعليــــه
و كيف يصلح صرح قام منتصبا … اذا البنــــاء خلا .. من ساكن فيه
يقول علي بن عبدالعزيز الجرجاني ، صاحب كتاب الوساطة بين المتنبي و خصومه :
الشعر .. علم من علوم العرب ، يشترك فيه الطبع و الرواية و الذكاء ، ثم تكون الدربة مادة له ، فمن اجتمعت فيه هذه الخصال ، فهو المحسن المبرز ، و بقدر نصيبه منها ، تكون مرتبته من الاحسان .
وقال الجاحظ :
أجود الشعر .. ما رأيته متلاحم الأجزاء ، سهل المخارج ، فتعلم بذلك انه أفرغ افراغا جيدا ، و سبك سبكا واحدا ، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان .
في الاختراع :
المخترع من الشعر ..
هو ما لم يسبق اليه قائله و لا عمل أحد من الشعراء قبله نظيره ، أو ما يقرب منه .. كقول امرئ القيس من الطويل و القافية من المتواتر :
سموت اليها بعدما نام أهلها … سمو حباب الماء حالا على حال
فانه أي امرؤ القيس .. أول من طرق هذا المعنى و ابتكره ، و سلم الشعراء اليه ، فلم ينازعه أحد اياه .
و قوله من الطويل أيضا و القافية من المتواتر :
كأن قلوب الطير رطبا و يابسا … لدى وكرها العناب و الحشف البالي
و ما زالت الشعراء تخترع و تولد ..
أقول في أبيات
أرى الشمسَ تغربُ كلَّ مساءٍ… تلملم في الليل أسرارها
وتغرق في البحر ذي لجـــــةٍ… لتغسلَ في البحر أوزارَها
كأنَّ باشراقِها و الغــــروبِ … تعدُّ على الناسِ أعمارَها
وأرجو أن يكون هذا من المعاني المخترعة التي لم يسبق اليه
و أقول في بيتين بهما صورة مبتكرة أيضا لم يسبق اليها
رأ ى بــدرًا منيرًا تحت شـالٍ...كأنَّ الشــالَ من خلفٍ ضبابُ
فلم يــرَ قبله في الناسِ بـدرًا... يُطلّ و خلفه يمضي السحاب
أما التوليد .. أي توليد المعاني من معنى آخر
أن يستخرج الشاعر معنى من معنى لشاعر تقدمه ، أو يزيد زيادة .. لذلك يسمى بالتوليد ، و ليس بالاختراع . و لا يمكن اعتبار ذلك سرقة
كقول امرئ القيس من الطويل :
سموت اليها بعدما نام أهلها … سمو حباب الماء حالا على حال
فقال عمر بن أبي ربيعة من السريع :
فاسقط علينا كسقوط النوى … ليـــلة لا نــاه .. و لا زاجــر
فولّد معنى مليحا اقتدى به بمعنى امرئ القيس .. دون أن يشركه بشيء من لفظه ، أو ينحو نحوه الا في المحصول ، وهو لطف الوصول الى حاجته في خفية .
و أما الذي فيه زيادة
فكقول جرير يصف الخيل من البسيط :
يخرجن من مستطير النقع داميةً … كان آذانَها أطـــرافُ أقـــــلام
فقال عدي بن الرقاع .. وهو شاعر أموي كان معاصرا لجرير .. يصف قرنَ الغزال من الكامل :
تزجي أغن كأن ابرةَ روقه …
وكان عديّ بن الرّقاع حين أنشد الوليد بنَ عبدالملك بحضرة جرير والفرزدق قصيدتَه الَّتي مطلعُها: “عَرَفَ الدِّيارَ توَهُّمًا فاعتادَها” حتى انتهى إلى قوله: “تُزجي أغَنَّ كأنَّ إبْرَةَ رَوْقِهِ…”
(تزجي: تسوقُ. الأغَنُّ: الخشفُ وهو ولد الظَّبية ذي الصَّوت الَّذي به غُنَّة.
الإبرة: الطَّرَف. رَوْقه: قَرنه)
ثمَّ شُغِل الوليدُ عن الاستماع، فقطع عديٌّ الإنشادَ، فقال الفرزدقُ لجرير: ما
تراه يقول؟ فقال جرير: أراه يستلب بها مثَلًا. فقال الفرزدق:
إنَّه سيقول: “
تُـزجي أغَــنَّ كــأنَّ إبْــرةَ رَوْقِــهِ قـلَـمٌ أصابَ مـن الــدَّواةِ مِــدادَها”
فلمَّا عاد الوليدُ إلى الاستماع وعاد عديٌّ إلى الإنشاد قال شطرَ البيتِ الثَّاني
موافقًا للفرزدق. فقال الفرزدقُ: واللهِ لمَّا سمعتُ صدر بيته رحمتُه، فلمَّا
أنشد عَجُزَهُ انقلبت الرَّحمة حسَدًا.
لقد أبدع عدي بن الرقاع عندما زاد على بيت جرير قوله
أصاب من الدواة مدادها
هو استعار المعنى من بيت جرير و لكنه أضاف اليه أي ولد منه معنى جديدا
و لننظر الى جمال البيت كاملا
تزجي أغنَّ كأنَّ ابرةَ روقِه … قلمٌ أصابَ من الدواةِ مدادَها
فولد بعد ذكر القلم ، اصابته مداد الدواة ، بما يقتضيه المعنى .
و لا أرى أجمل ولا أروع من استنباط أبي انواس و توليده لمعنى رائع من بيت أبي الشيص الخزاعي الذي يقول فيه متغزلا :
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي … متأخر عنه و لا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة … حبا بذكرك فليلمني اللوّم
استعار أبو نواس المعنى في البيت الأول و استعمله في المديح فأجاد و أحسن وأمتع حين يقول :
فما جازه جود و لا حلّ دونه … و لكن يسير الجود حيث يسير
الله الله الله لهذا الجمال
لننظر الى ماجاء في صدر بيت أبي نواس بقوله :
فما جازه جود و لا حل دونه
سنرى أن أبا نواس اختصر معنى بيت أبي الشيص بكامله الى شطر واحد وهذا يحسب اصلا لأبي نواس في الاختصار ولو لم يقم باضافة معنى جديد للبيت
حيث أضاف الى معنى البيت قوله
يسير الجود حيث يسير
فأبدع أيما ابداع و أجاد حتى آخر الاجادة
فهو .. أقصد أبا نواس .. لم يكتف باختصار معنى البيت بشطر واحد .. و لم يكتف ايضا باضافة معنى جديد .. و أنما أضاف للمعنى لمسة سحرية رائعة زادت في المعنى قوة وجمالا .
ومن التوليد أيضا
يقول المتنبي واصفا جيش سيف الدولة
في جحفلٍ ستر العيونَ غبارُه … فكأنما يُـبصرنَ بالآذان
فقلت في هذا المعنى بيتين مولدا معنى جديدًا أصف فيهما الشاعر بشكل عام .. بقولي :
نرنو بآذاننا يشدو على وترٍ … فتمعنُ العينُ حتى يرتوي النظر
كأنما الأذنُ قد تاقت لرؤيته … حتى تصارع فيه السمعُ والبصر
فلفظة رنا عادة .. تستعمل للعيون والألحاظ و ليس للآذان .. فاستعملت لفظة .. نرنو .. للأذن
كما قمت بألاضافة الى معنى المتنبي باضافة معنى جديد .. هو الصراع بين السمع و البصر
وأيضا
في قول المتنبي يمثل ليلته عروسا من الزنج فيقول :
ليلتي هذه عروسٌ من الزنــ … ــج عليها قلائدٌ من جمان
فأقول بعد اضافة معنى لم يكن موجودا في بيت المتنبي ..
وهو أنني بعد أن وصفت الليلة الماطرة وهي تنضح بالماء الغزيز .. مشبها اياها بعروسة من الزنج .. فكأن هذه الليلة وفيها يسح المطر غزيرا .. كأنها عروسة زنجية تقوم بتسريح شعرها وغسله بالماء
أقول :
فيا له ليـلٌ أمطرَ الروضَ ديمةٌ…أحالت حواشي الروضِ بالماءِ تنضحُ
تراءى به الليـلُ البهيمُ عـروسةً … من الزنـْجِ تجلــو شعرَهـا.. وتُسرِّح
و لا بد من الملاحظة الى أن أحدا يستطيع أن يقلل من شأن المتنبي نبي الشعر و شاعر العرب الأكبر .. أو يدعي نفسه بمستواه لا سمح الله أو يتطاول عليه ..الا أنه لا بد من القول أن الشعراء في العادة يأخذون ممن سبقهم و يولدون المعاني وهذا ليس انتقاصا من شأن الآول صاحب الفضل .
بين اختراع المعنى و الابداع :
الفرق بين الاختراع و الابداع – و ان كان معناهما في العربية واحدا –
أن الاختراع .. هو خلق للمعاني التي لم يسبق اليها .. و الاتيان بما لم يكن منها قط ؛
و الابداع
اتيان الشاعر بالمعنى المستظرف ، الذي لم تجر العادة بمثله ، ثم لزمته هذه التسمية حتى قيل له بديع . و ان كثر و تكرر .
فصار الابداع للفظ
و الاختراع للمعنى ؛
فان تم للشاعر أن يأتي بمعنى مخترع و لفظ بديع ، فقد استولى على الأمد ، و حاز قصب السبق .
….
خالد ع . خبازة
مع الاستعانة بعدد من كتب التراث