قراءة في ثلاثية المعرّي والإنسان والمرآة بين الدكتور محمد ميموني والدكتورة سلوى الفيلالي والدكتور فضيل حاج بن عدة.

Screenshot

ثمة قراءات تنتهي حين نضع النقطة الأخيرة، وثمة قراءات ترفض أن تنتهي؛ لأنها لا تعود بعد ذلك قراءةً للنص، وإنما تصبح قراءةً للقارئ نفسه. وما كتبه الأستاذ فضيل حاج بن عدة حول ثلاثية المعرّي والإنسان والمرآة ينتمي، في تقديري، إلى النوع الثاني؛ فقد أخذ نصًا نقديًا، ثم أخضعه لفعل قراءة ثانية، قبل أن تتحول القراءة الثانية إلى مرآة ثالثة لا يعود معها واضحًا: أين ينتهي النص وأين يبدأ قارئه؟

ولعل هذه هي المفارقة الجميلة التي صنعتها هذه الثلاثية: أن المعرّي، الذي كان موضوعًا للقراءة، انتهى به الأمر إلى أن يصبح قارئًا لنا بطريقة غير مباشرة. لم يعد الرجل الذي عاش قبل قرون هو الغائب في المشهد، بل نحن الذين وقفنا فجأة تحت ضوء أسئلته.

حين كتبتُ عن المعرّي، لم يكن هاجسي أن أضيف شرحًا جديدًا إلى ما قيل عنه، ولا أن أضع يدي على معنى مستقر ثم أعلن اكتشافه. كان ما يشغلني شيئًا أكثر إزعاجًا: ماذا يفعل النص القديم بنا حين نسمح له أن يدخل حاضرنا؟

فـ«غير مجد في ملتي واعتقادي» لا تبدو، عندئذ، مجرد قصيدة في الموت، ولا مجرد مرثية لشخص مضى إلى التراب. الموت في تجربة المعرّي أوسع من موت الفرد؛ إنه السؤال الذي يظل مفتوحًا في وجه الأحياء. نحن لا نخاف الموت وحده، بل نخاف أن نكتشف أن كل ما نراكمه حول ذواتنا من أسماء ومواقع وامتيازات لا يملك القدرة على تأجيل النهاية.

وهنا يصبح التراب أكثر فلسفة من القبر.

فالتراب لا يسأل من كان صاحب التاج، ومن كان بلا تاج؛ ولا يحتفظ في ذاكرته الاجتماعية بما نصرّ نحن على تسميته مجدًا. أمامه تسقط الفوارق التي صنعناها ثم صدقناها، وكأن الإنسان لا يحتاج إلى الموت كي يتساوى مع غيره، بل يحتاج أحيانًا إلى أن يتذكر فقط أنه قابل للموت.

ومن هنا أفهم تلك العبارة التي توقف عندها فضيل: «قلق العارف لا حزن الحزين».

الحزن، مهما اشتد، له موضوع يمكن أن نشير إليه. أما القلق المعرفي فلا يملك هذه الرفاهية. إنه لا يسأل عن شيء واحد كي يجد له جوابًا وينصرف؛ إنه يعيد إنتاج السؤال كلما ظننا أننا اقتربنا من الجواب.

ولهذا لا أرى المعرّي مجرد متشائم، كما تحب بعض القراءات السريعة أن تختصره. التشاؤم موقف يمكن أن يتحول إلى عقيدة، أما القلق فهو حركة داخل الوعي؛ لا يستقر على نتيجة نهائية. المعرّي، في هذا المعنى، ليس رجلًا يكره الحياة بقدر ما هو رجل لم يستطع أن يخدع نفسه بشأنها.

وهذه نقطة تستحق التوقف طويلًا.

فالإنسان قد يحتمل جهله أكثر مما يحتمل معرفته. الجهل يمنحنا أحيانًا راحة الوهم، أما المعرفة فتسحب من تحت أقدامنا بعض الأرض التي اعتدنا الوقوف عليها. وكلما اتسعت دائرة ما نعرف، اتسعت معها دائرة ما ندرك أننا نجهله.

لذلك فإن السؤال الذي يطرحه المعرّي لم يمت معه.

لقد تغيرت أدواتنا، وتضاعفت معارفنا، واتسعت قدرتنا على تفسير الأشياء، لكن شيئًا في الإنسان ظل عصيًا على التفسير الكامل: ذلك الداخل الذي يسأل عن معنى وجوده حتى بعد أن يحصل على أجوبة كثيرة عن كيفية وجوده.

العلم يستطيع أن يخبرنا كيف يعمل الجسد، وكيف تتشكل النجوم، وكيف تتغير المادة، لكنه لا يستطيع، بمجرده، أن يلغي السؤال الذي يستيقظ في أعماق الإنسان حين يسأل: وماذا يعني كل هذا لي؟

هنا تحديدًا يعود المعرّي.

ليس لأنه يمتلك الجواب، بل لأنه يرفض أن يقتل السؤال.

ثم جاءت الدكتورة سلوى الفيلالي، وهنا حدث الانزياح الأجمل في هذه الحكاية.

لم تقرأ ما كتبتُ فقط؛ قرأت الطريقة التي كنتُ أرى بها المعرّي. وهذه مسافة شاسعة بين القراءتين.

هناك قارئ يتعامل مع النص كما لو كان صندوقًا مغلقًا يريد أن يعرف ما بداخله، وهناك قارئ يدخل النص ثم يخرج منه وهو يحمل شيئًا من ارتباكه. الأول يبحث عن المعنى، والثاني يكتشف أن المعنى ليس بريئًا دائمًا، وأنه قد يعيد ترتيب صاحبه قبل أن يسمح له بترتيبه.

ولهذا كانت قراءة سلوى، في جوهرها، قراءة للقراءة نفسها.

لقد وضعتني أمام ما لم أكن أراه وأنا أكتب.

وهنا يبدأ فعل النقد الحقيقي: حين لا يكتفي الناقد بأن يقول للكاتب «هذا ما قلت»، بل يغامر بأن يقول له: ربما قلت أكثر مما كنت تظن.

وهذه ليست مصادرة على النص، بل تحرير له من أسر صاحبه.

فالكاتب يملك لحظة الكتابة، لكنه لا يملك كل ما يمكن أن يحدث للنص بعد ولادته.

بمجرد أن يغادر النص يد صاحبه، يدخل إلى حيوات أخرى. قد يجد قارئًا يقرأه من تجربته، وآخر يقرأه من جرحه، وثالثًا يقرأه من معرفته، ورابعًا يقرأه من شيء لم يعرف الكاتب أصلًا أنه موجود فيه.

وهنا لا يعود السؤال: ماذا أراد الكاتب؟

بل يصبح السؤال أكثر إرباكًا:

ماذا استطاع النص أن يقول حين دخل عقلًا آخر؟

ولذلك فإن القارئ الحقيقي لا يضيف إلى النص من خارجه فقط؛ أحيانًا يكشف فيه طبقة كانت موجودة، لكنها لم تكن قد وجدت قارئها بعد.

وهذه هي النقطة التي تجعل القراءة فعلًا إبداعيًا لا مجرد استهلاك للنص.

أما فضيل حاج بن عدة، فقد ارتكب في نصه الجميل مغامرة أخرى: لم يكتفِ بأن يقرأني وأنا أقرأ المعرّي، بل وضع نفسه داخل السلسلة.

فأصبح المشهد على هذا النحو:

المعرّي يكتب.

أنا أقرأ المعرّي.

سلوى تقرأني وأنا أقرأ المعرّي.

وفضيل يقرأ سلوى وهي تقرأني وأنا أقرأ المعرّي.

ثم يأتي القارئ الآن ليقرأ فضيل وهو يقرأ سلوى وهي تقرأني وأنا أقرأ المعرّي.

عند هذه النقطة لا تعود لدينا مرآة واحدة.

لدينا مرايا متقابلة.

وكل مرآة تخلق مرآة أخرى.

والأغرب أن الصورة التي نبحث عنها في نهاية هذا الامتداد قد لا تكون صورة المعرّي أصلًا، وإنما صورتنا نحن.

وهنا تكمن فلسفة المرآة.

فالمرآة لا تخبرك من أنت؛ إنها تمنعك فقط من الهروب مما يظهر فيها.

وقد يكون هذا هو سر قوة المعرّي: أنه لا يمنحنا مرآة جميلة. إنه يمنحنا مرآة لا تجامل.

نحن نحب المرايا التي تعيد إلينا الصورة التي نرغب فيها، ولذلك نرتاح للقراءات التي تمدح أفكارنا وتعيد صياغتها بلغة أجمل. لكن القراءة التي تستحق اسمها هي التي تجعلنا نتردد قليلًا أمام صورتنا.

أن نسأل:

هل أنا أقرأ النص، أم أبحث فيه عن نفسي؟

هل أعثر على الحقيقة، أم أعثر على الخوف الذي أريد أن أسميه حقيقة؟

وهنا أصل إلى السؤال الأول الذي طرحه فضيل: حين نقرأ المعرّي، هل نرى حقيقتنا أم نرى خوفنا من حقيقتنا؟

ربما لا نستطيع الفصل بين الاثنين.

فالإنسان لا يدخل إلى النص خاليًا من نفسه. يحمل ذاكرته، وخوفه، وأوهامه، وما يرغب في تصديقه، وما يخشى أن يصدقه. ولذلك فإن القراءة ليست نافذة شفافة تمامًا؛ إنها أيضًا سطح عاكس.

قد نقرأ المعرّي بحثًا عنه، فنكتشف أننا كنا نبحث عن أنفسنا.

أما السؤال الثاني، المتعلق بالعارف: هل تقوده المعرفة إلى التواضع أم إلى اليأس؟

فأظن أن المعرفة لا تضمن واحدًا منهما.

المعرفة تكشف، لكنها لا تختار نيابةً عنا ماذا نفعل بما تكشفه.

قد تجعل إنسانًا أكثر تواضعًا لأنه أدرك محدوديته، وقد تدفع آخر إلى اليأس لأنه لم يجد في المعرفة عزاءً. الفرق لا يصنعه مقدار ما نعرف فقط، بل الطريقة التي نحمل بها ما عرفناه.

ولذلك فإن المعرفة التي لا تمنح جوابًا مريحًا لا تصبح ناقصة بالضرورة.

ربما تكون وظيفتها الأعمق أن تحرمنا من الجواب المريح حين يكون مريحًا لأنه زائف.

وهنا يصبح المعرّي خطيرًا، لا لأنه يزرع اليأس، وإنما لأنه يفسد علينا بعض أشكال الاطمئنان السهل.

ثم يأتي السؤال الثالث، وهو في رأيي أخطر الأسئلة الثلاثة:

من الحي حقًا: نحن أم المعرّي؟

لا أملك أن أقول إن المعرّي حي بالمعنى البيولوجي؛ فهذا خلط لا يحتمله السؤال.

لكن هناك حياة أخرى لا علاقة لها بنبض الجسد.

النص الذي لا يزال قادرًا على إزعاجنا بعد قرون يمتلك نوعًا من الحضور لا تمنحه السنوات. ونحن، حين نقرأه، لا نعيده إلى الحياة بقدر ما نكتشف أن بعض ما قاله لم يمت.

ربما نحن الأحياء بيولوجيًا، وهو الحي داخل السؤال.

وربما نحن الذين نموت كلما توقفنا عن السؤال.

لهذا لا أريد أن أختم هذه الثلاثية بإجابة نهائية، لأن الإجابة النهائية هنا قد تكون خيانة لطبيعة المعرّي نفسه.

يكفيني أن أقول:

لم يعد المعرّي وحده موضوع القراءة.

لقد صار جزءًا من جهاز القراءة نفسه.

ولم تعد المرآة تعكس وجهًا واحدًا.

إنها الآن تعكس المعرّي، والقارئ، والكاتب، والناقد، ثم تعكسنا نحن ونحن نحاول أن نفهم ماذا يحدث.

وهذا، في ظني، هو أجمل ما في قراءة فضيل حاج بن عدة: أنه لم يغلق باب النص بالثناء، بل فتح فيه بابًا آخر للسؤال.

وأجمل ما في قراءة سلوى الفيلالي أنها لم تكتفِ بأن ترى النص، بل رأت ما يفعله النص بمن يكتبه.

أما أجمل ما يمكن أن أفعله أنا الآن، فليس أن أدافع عن قراءتي للمعرّي، وإنما أن أتركها هي الأخرى تحت رحمة قارئ جديد.

لأنني كلما ظننت أنني أمسكت بالمعنى، اكتشفت أن المعنى كان يمسك بي من الجهة الأخرى.

ولعل الكتابة، في نهاية المطاف، ليست أن تقول ما تعرفه، بل أن تكتشف بعد أن تقول إنك لم تكن تعرف تمامًا ماذا كنت تقول.

وهنا فقط تبدأ الولادة الثانية للنص.

وهنا أيضًا تتناسل المرايا…

حتى نصل إلى المرآة التي لا يظهر فيها المعرّي ولا الكاتب ولا الناقد.

تظهر فيها نحن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى